عربي - Deutsch - Française - Português - Español - - Italiano - русский


 

لقد عُنيَ الإسلام بالأخلاق منذ بزوغ فجره وإشراقة شمسه، فالقرآن في عهديه المكي والمدني على السواء اعتنى اعتناء كامل بجانب الأخلاق؛ مما جعلها تتبوأ مكانة رفيعة بين تعاليمه وتشريعاته، حتى إن المتأمِّل في القرآن الكريم يستطيع وصفه بأنه كتاب خلق عظيم، وفيما يلي أجمل ما ظهر لى من خلال التأمل في النصوص من بيان مكانة الأخلاق في الإسلام، وهي:


أولًا: إن المتتبع للقرآن الكريم في آياته وموضوعاته يجد أن الأخلاق تشغل حيزاً كبيراً منه، كما يجد إشارات الشارع الحكيم وتنبيهاته إلى سجايا الأخلاق  في كل أوامره ونواهيه، وهذا مما سيتم دراسته في هذا البحث.

ثانيًا: إن بعثة النبى صلى الله عليه وسلم كانت لتقويم الأخلاق وإتمام مكارمها، يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة رضى الله عنه: «إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق» (أحمد: مسند أبي هريرة، [رقم:8952]. صحّحه المحقق الشيخ شعيب الأرنؤوط. الحاكم: المستدرك، ج2، [ص:613]. وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي).

والقرآن قد نوّه بذلك أيضًا في غير ما آية، نحو قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة:2]، وتلك مكانة عالية ترتقيها الأخلاق في الإسلام.

ثالثاً: مدح الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم الذي اختاره واصطفاه بقوله سبحانه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4]، ولا يمدح الله نبيه صلى الله عليه وسلم بشيء  إلا وله مكانة عظيمة عنده تعالى.

رابعًا: يتوقف كمال إيمان المؤمن على حسن خلقه، كما جاء في حديث أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقًا» (أبو داود: كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، [رقم:4682]. والترمذي: كتاب الرضاع. باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، [رقم:1162]، وقال: حديث حسن صحيح. وانظر السلسلة الصحيحة للألباني [رقم:284]).

خامسًا: أصحاب الخلق الحسن خيار الناس في الإسلام، يدل لذلك حديث عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا» (البخاري: كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم [رقم:3559]).

سادسًا: ومما يبين مكانة الأخلاق؛ دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يحسن خلقه وهو صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً كقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «اللهم اهدنى لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدى لأحسنها إلا أنت» (مسلم: كتاب الصلاة، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم ودعاؤه في الليل الحديث. أبو داود: سننه. كتاب الصلاة. باب ما يستفتح به من الدعاء الحديث، [رقم:760]).

سابعًا: الخلق الحسن مجلبة لمحبة الله تعالى، ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: «أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقًا» (الطبراني: المعجم الكبير. ج2، [ص:147]، [رقم:471]؛ عن أسامة بن شريك. وصحيح الجامع الصغير، [رقم:179]. وذكره الألباني  كذلك في السلسلة الصحيحة [برقم:432]).

وفى حديث جابر رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: «إن من أحبكم إلى وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا» (أحمد: مسند الشاميين. [رقم:1788]. الترمذي: كتاب البر والصلة. باب ما جاء في معالي الأخلاق، [رقم:2018]. وقال: حديث حسن. وانظر السلسلة الصحيحة للألباني [برقم:791]).

ثامنًا: حسن الخلق كالعبادة من صيام وقيام ليل، فعن عائشة رضي الله عنها قال صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» (أبو داود: كتاب الأدب. باب حسن الخلق، [رقم:4798]. ابن حبان: صحيحه، ج1، [ص:350]. وصحّحه الألباني رحمه الله انظر مشكاة المصابيح؛ [رقم:5028]).

تاسعًا: أثقل ما يجد المؤمن في ميزانه يوم القيامة حسن الخلق، كما جاء الخبر بذلك فقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق» (الترمذي: سننه، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق، [رقم:2002]. من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه؛ قال: حديث حسن صحيح. وذكره الألباني في الصحيحة [برقم:876]).

عاشرًا: إن حسن الخلق وتقوى الله أكثر ما يدخل الناس الجنة، ففيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: «تقوى الله وحسن الخلق» (الترمذي: سننه، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق؛ [رقم:2004]، قال: صحيح غريب. ابن ماجه: سننه، كتاب الزهد، باب ذكر الذنوب، [رقم:4246]. وصحّحه الألباني في الصحيحة [برقم:977]).

فجعل حسن الخلق مساوٍ للتقوى، وأكثر ما يدخل الناس الجنة؛ بل وقد تبوأ أصحاب الأخلاق معالي الجنة ومعالمها المرموقة، يقول صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان مُحِقًّا، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وفي أعلى الجنة لمن حسن خلقه» (أبو داود: سننه، كتاب الأدب، باب حسن الخلق؛ [رقم:4800]. من حديث أبي أمامة رضي الله عنه. صحّحه النووي رحمه الله في رياض الصالحين، [ص:198]. وقال الألباني رحمه الله: "للحديث شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن على أقل الأحوال". انظر: السلسلة الصحيحة [برقم 273]).

وقد اختلف العلماء هل حسن الخلق أمر جِبِلّى أم مكتسب؟ ورجح الحافظ أنّ منه الغريزى ومنه المُكْتسب (انظر: فتح البارى، ج10، [ص:459]).

فإذا كان الخلق حالة راسخة في النفس، وليس شيئاً خارجاً مظهريًّا، فالأخلاق شيء يتصل بباطن الإنسان، ولا بد لنا من مظهر يدلنا على هذه الصفة النفسية، وهذا المظهر هو السلوك. فالسلوك: هو المظهر الخارجي للخلق، فنحن نستدل من السلوك المستمر لشخصٍ ما على خلقه، فالسلوك دليل الخلق، ورمز له، وعنوانه، فإذا كان السلوك حسنًا دلّ على خلق حسن، وإن كان السلوك قبيحًا دلّ على سلوك مُسْتهجن، تمامًا الشجرة تعرف بالثمر، فكذلك الخلق الحسن يعرف بالأعمال الطيبة.

وإذا كان الإسلام قد أَوْلى الأخلاق الكريمة هذه العناية فإنّ على المرء أن يتجنب آباط الشر، ومساعي الرذيلة، مُتحليًا بجميل الأخلاق التي تجعل المرء يسمو بها على الناس حتى لو بدت له رقة حال فإنّ له جميل المآل.


المصدر: طريق الإسلام

البطاقات الدعوية