عربي - Deutsch - Française - Português - Español - - Italiano - русский



مراحل العلاقة بين السلطة الإيرانية واليهود الإيرانيين:


تحدثنا عن بعض المحطات التي مر بها اليهود الإيرانيين في علاقاتهم مع الإيرانيين والدولة الإيرانية على وجه التحديد، وإتمامًا للصورة نبين أن اليهود كانوا يعيشون في المجتمع اليهودي كأقلية في حالة أشبه ما تكون بـ(المنفي)، ثم سمح لهم فيما بعد بالعودة في عهد الملك كوروش، ولما فُتحت فارس على يد الفاتحين المسلمين، تمتع اليهود بكامل حقوقهم وعوملوا بما تنص الشريعة عليه تجاه أهل الكتاب، ولعل هذا العصر يكون من أزهى عصورهم في القديم، ثم جاء عصر الاضطهاد على يد الدولة الصفوية الشيعية، وأجبر عدد كبير منهم على اعتناق التشيع، ولم يختلف العهد البهلوي لاحقاً -بالنسبة لليهود- عن عهد الدولة الصفوية، غير أن النقلة الكبرى في تاريخ اليهود الإيرانيين كانت في عهد رضا شاه وتحديدًا عام 1925 م حيث سمح لهم بممارسة النشاط الصهيوني داخل إيران، كما سمح لهم بالتمثيل في البرلمان الإيراني، إلى غير ذلك من الامتيازات.

وبعد قيام الثورة الإيرانية تعثرت العلاقة الإيرانية اليهودية قليلاً نظرًا لقطع العلاقات الإيرانية الإسرائيلية بعد أن كانت بين البلدين علاقات تجارية وسياسية واقتصادية، فتم إغلاق السفارة الإيرانية ومنع كافة أشكال التواصل بين البلدين، وحظر كافة الأنشطة الصهيونية التي سمح بها في السابق.

غير أن كثيرًا من الباحثين قد شككوا في طبيعة هذه القطيعة واعتبرها البعض حيلة لجذب انتباه العالم الإسلامي نحو إيران، في محاولة من الخميني ومن معه لتصدير فكرة الثورة الشيعية إلى كافة أقطار العالم الإسلامي، وليس أنجع في ذلك -بحسب فهمهم- من اللعب بالورقة الإسرائيلية الفلسطينية، ودليل ذلك أن عهد الثورة الإيرانية بالنسبة لليهود الإيرانيين هو العهد الأزهى من بين عهودهم، ففي عهد الثورة الإسلامية، حصل اليهود على ما لم يحصلوا عليه في أي عهد سابق من كافة النواحي، ويسجل هذا الواقع ما تم في اللقاء الذي جمع الخميني بخمسة من كبار حاخامات يهود إيران، ففي هذا اللقاء قدم الخميني وعدا: "بأن اليهود لن يكونوا عرضة للأعمال المعادية وأنه سيعامل المواطن اليهودي الصالح معاملة المسلم الصالح" (10).

وكان الشرط الضمني وراء هذه المؤاخاة! -بين اليهود والشيعة- على حد وصف أحد الحاخامات، هو تحريم النشاط الصهيوني وتجريم كل من يقوم به ويدعو إليه، واليهود بدورهم فهموا المعادلة ومن ثم جاءت مواقفهم المعلنة تجاه إسرائيل متطابقة مع الموقف الإيراني الرسمي، فاليهود الإيرانيون يرون أن إسرائيل دولة مغتصبة لحقوق الفلسطينيين وأن الفلسطينيين ضحايا للعدوان المتكرر من قبل الإسرائيليين، ويفرق اليهود الإيرانيين -كما تفرق الحكومة الإيرانية والشعب الإيراني- بين اليهودية والصهيونية، فيرون أنه لا مشكلة في التعايش مع اليهودي غير المؤدلج في بلد إسلامي كإيران أو غيرها، إنما المشكلة مع اليهودي ذوي المرجعيات الصهيونية المتطرفة، وإسرائيل بدورها راضية عن هذا الوضع، ولم تبد أي امتعاض من هذا الموقف، ولذا لم نر أثرا لهذا الخلاف -الظاهري- بين يهود إيران وإسرائيل، وهي مسألة تحتاج إلى بحث شديد -ليس المجال هنا مجالها- لبيان طبيعة العلاقة بين اليهود الإيرانيين وبين الكيان الصهيوني، وما يدار في كواليس العلاقة بينهما.

أهل السنة واليهود الإيرانيون والشيعة:


في مقابل المؤاخاة الشيعية اليهودية وجد عداء شيعي سني، سعى الشيعة إلى تعميقه عبر العديد من الممارسات التعسفية تجاه أهل السنة في إيران، حيث تم حرمانهم من كثير من الحقوق (الدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية) رغم أنهم ثاني أكبر جماعة دينية في إيران بعد الشيعة، وليس أدل على تلك المعاداة من خلو مدن إيرانية كبرى كـ(طهران، وقم) من مساجد لأهل السنة، إضافة إلى المعاملة السيئة التي يلقاها أهل السنة من قبل الشيعة (أفرادًا وسلطة).

ولعل شهادة الأعداء في هذا المقام تكون أوقع في بيان الحال، لذا سأكتفي في هذه النقطة بنقل نصَّين من مقال توثيقي للكاتب الإسرائيلي (عاموس عوز) يوثق فيه ما شاهده في زيارته لإيران العام الماضي، مقارنا فيه أوضاع أهل السنة بأوضاع اليهود الإيرانيين، يقول الكاتب: "بدأنا بجولة تفقدية للمعابد اليهودية في طهران، واستغربت كثيرا مما شاهدته في هذه المعابد من فخامة في البناء والزخارف المعمارية، والتي طُعِّمت بلون الفن المعماري الفارسي، واستغربتُ أكثر عندما سمعت بأن في طهران لوحدها أكثر من 12 معبد -كنس- لليهود، كما توجد 10 مراكز لبيع لحم الكاشر المذبوح على الطريقة اليهودية في طهران، كما يوجد أكثر من 85 معبد -كنس- لليهود في مختلف المدن الإيرانية، فوجدت أن اليهود في إيران يعيشون حياة شبه عادية، برغم وجود بعض المضايقات من قبل الحكومة إلا أنها لا تذكر" (11).

وفي المقابل من هذا بين الكاتب: "أن عدد السنة في طهران لوحدها مليون ونصف مسلم سني، ولا يمتلكون مسجد سني واحد لهم في طهران كلها، كما أن عدد السنة الذين تم تنفيذ حكم الإعدام بحقهم خلال الخمس سنوات الماضية يزيد عن 1500 شخص، وأن عدد المعتقلين السنة في السجون الإيرانية يزيد عن 4000 شخص، كما أن النظام الإيراني يجرم أي سني يحاول نشر المذهب السني في إيران!" (12)، وبين الكاتب أنه في المقابل من هذا لا توجد حالة إعدام واحده بحق أي يهودي حدثت منذ سنوات عديدة بالإضافة إلى عدم وجود أي معتقلين سياسيين يهود في السجون الإيرانية، كما أن لليهود الحرية في إنشاء المدارس والمعابد اليهودية، وخلص الكاتب من مقاله إلى حقيقة مفادها: "أن اليهودي الفارسي أحسن حالاً من وضع المسلم السني في إيران".

حقيقة العداء الصهيو شيعي بين الدولة الإيرانية والكيان الإسرائيلي:


نأتي الآن إلى قطب الرحى وقضية القضايا في المسألة الإيرانية الإسرائيلية، ألا وهي طبيعة العلاقة بين النظامين الإيراني والإسرائيلي، هل هي علاقة عداء، أم علاقة وفاق، أم أن كلا الجوابين (إيجاباً وسلباً) لا يصحان؟ حقيقة الأمر إن العلاقة بين اليهود والشيعة علاقة في غاية التعقيد، لأن كلا الجانبين حريص كل الحرص على تصدير خطاب إعلامي مضلل، كما أن مبدأ التقية معمول به عند كل من الشيعة واليهود، وفوق هذا وذاك فالسياسية لا أخلاق لها، والمصلحة تعلو كل مبدأ مهما سما.

وبتحليل كلا الخطابين (الإعلامي والسياسي) المتبادلين بين إيران وإسرائيل، ومقارنة مضامينهما بما هو حاصل على أرض الواقع نكتشف زيف الادعاء القائل بأن إيران وإسرائيل عدوتان، غير أن هذه المقارنة لا تصب على أية حال في الاتجاه المعاكس، بل إن خلاصة ما يخرج به الباحث من هذه الإشكالية أن للدولتين مصالح مشتركة يتوافقان عليها، وإلى جانب هذه المصالح هناك خلاف على أمور أخرى، فهما عليها ما بين شد وجذب، في جو يسوده في غالب الأحيان لغة التوافق وتمرير المصالح.

نخلص من هذا إلى نتيجة مفادها: أن العلاقة الإيرانية الإسرائيلية علاقة مصالح، وأن الخلافات بين إسرائيل وإيران لم تصل على أية حال إلى مربع العداء، ولن تصل على ما يبدو طالما بقي العدو المشترك بين اليهود والشيعة، والذي تمثله الدول العربية والإسلامية التي تدين بالمذهب السني، والملاحظ أن هذه العلاقة في أسوأ أحوالها لا تعدو أن تكون مناوشات عسكرية على أرض محايدة، وهذا ما حدث في حرب لبنان 2006 م، فلم يكن للبنان في هذه الحرب ناقة ولا جمل، وإنما هي مناوشات بين الثالوث (الأمريكي والإسرائيلي والإيراني)، وقد كسب منه الجميع والخاسر الوحيد كان لبنان، وكثير ممن انطلت عليهم هذه الكذبة، فظن خيرا بحسن نصر الله (كومبارس) هذه المسرحية.

وهناك الكثير من الشواهد المؤيدة لهذا الرأي، ومنها قوة العلاقات بين البلدين على كافة المستويات، وفي مجالات عدة منها الزراعة والصناعة، بل إن إيران استعانت بخبراء إسرائيليين في المجال الحربي وهو الأمر الذي كشفته تقارير صحفية داخل إسرائيل وخارجها، وقديما دوت في الأفاق فضيحة (إيران جيت) التي كشفت زيف الادعاءات الإيرانية، حيث كُشف للعالم أن سيلا من الأسلحة وقطع الغيار كان يشحن من أمريكا عبر إسرائيل إلى طهران أثناء حربها مع العراق.

يهود أصبهان أتباع الدجال، فمن يتّبع الشيعةُ؟:


نأتي للنقطة الأخيرة في هذا المقال والتي تخص معتقد الشيعة واليهود في مسألة (المهدي) من الوجهة الشيعية، و (المسيح الدجال) من الوجهة اليهودية، أو ما يعرف عندهم بـ(المسيا المنتظر)، وقبل الحديث عن هذا الأمر نذّكر بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعا: «يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة»، ففي هذا الحديث إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بأن يهود إيران سيكونون من أتباع المسيح الدجال، بل سيكونون من أول أتباعه وسيخرج الدجال فيهم، بحسب روايات أخرى، وفي ذلك يقول الحافظ ابن كثير: "يكون بدء ظهوره من أصبهان، من حارة منها يقال لها اليهودية، وينصره من أهلها سبعون ألف يهودي عليهم الأسلحة والتيجان وهي الطيالسة الخضراء" (13).

وواقع اليهود في إيران يبرهن على صدق هذا الحديث من حيث وجود كثرة عددية لليهود في إيران، فيهود إيران هم ثاني أكبر تجمع يهودي في المنطقة، كما أنهم يعتبرون الأقلية الأكثر سعادة من بين أقليات العالم، وفوق ذلك فهم يعتقدون أن إسرائيل كيان غير شرعي مخالف لإرادة الرب التي تشترط مجيء المسيح لكي تقوم دولتهم، والشيعة تعتقد أن محمد بن الحسن العسكري -وهو الإمام الثاني عشر عندهم- هو المهدي المنتظر، ويزعمون أنه ولد سنة (255 هـ)، واختفى في سرداب (سُرَّ من رأى) سنة 265 هـ، ومنذ هذا الوقت وهم ينتظرون خروجه لينتقم لهم من أعدائهم" (14)، غير أن ما صح في قصة المهدي أنه رجل من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم يأتي في آخر الزمان يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما (15).

وبمقارنة معتقد الشيعة في المهدي وما يعتقده اليهود في مسيحهم المنتظر، يتبين لنا أن كلا المنتظرين خرافة، فمسيح اليهود المنتظر كان عيسى عليه السلام لكنهم أعرضوا عنه، ومهدي الشيعة أكذوبة من بدعهم، وبناء على ذلك يمكننا القول أن مهدي الشيعة ما هو إلا الدجال الذي ينتظره اليهود، وليس بمستبعد أن يكون لليهود يد في ترسيخ هذه العقيدة في أذهان الشيعة، فقد أفسدها في البدء عبد الله ابن سبأ اليهودي، فأضلهم وانحرف بهم عن صحيح الدين، وحمل اللواء بعد ذلك عنه عدد من اليهود المتخفين.

ومن نقاط الاتفاق في المعتقد بين مهدي الشيعة ومسيح اليهود: أن هناك من كلا الفريقين من يرى حرمة إقامة أي شكل من أشكال الدولة في وقت غيبة المنتظر، فهناك فريق من الشيعة يرى أن وجود دولة شيعية خطيئة وجريمة تنافي عقائدهم (16)، والأمر نفسه عند اليهود حيث ترى جماعة من المتدينين اليهود أن دولة إسرائيل قد قامت على يد نفر من الكافرين الذين حرفوا مشيئة الله بعلمهم بدلا من انتظار المسيح الموعود (17).

خاتمة:


بعد هذه الجولة في أحوال اليهود في الدولة الفارسية لعل السؤال الأكثر إلحاحا على ذهن القارئ هو: هل لليهود الإيرانيين دور في السياسة الإيرانية الداخلية أو الخارجية؟ وللإجابة على هذا السؤال نقول: إن اليهود الإيرانيين كأي أقلية في العالم تسعى إلى فرض رؤاها وأطروحاتها الفكرية والعقائدية والسياسية، غير أن هذا الأمر مع أقلية كاليهود في بلد كإيران تحديدا له طبيعة خاصة يجعل من أي تحرك لليهود عملا مشبوها، واليهود يدركون هذا الأمر جيدا لذلك فقد اكتفوا بالمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية مع إعطائهم الحرية في أقامة شعائرهم الدينية، إلى غير ذلك من الحقوق التي لا تأثير لها بشكل مباشر على السياسية الإيرانية، غير أننا لا يمكننا أن نبرئ ساحة اليهود تماما من تدخلات غير مباشرة عن طريق بث الموالين لهم في مراكز صنع القرار الإيراني داخل المطبخ السياسي وبين العمائم المنظرة للدولة الشيعية.

الهوامش:


(10) اليهود في إيران- مأمون كيوان: (ص:57).
(11) كاتب إسرائيلي:وجدت الصبية يلعبون الكره في مسجد لأهل السنة في طهران- شهادة للكاتب عاموس عوز
(12) المرجع السابق.
(13) النهاية في الملاحم والفتن للحافظ ابن كثير: (1/88)- دار الكتب العلمية- لبنان بيروت.
(14) ينظر: أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية- للدكتور ناصر القفاري: (2/841).
(15) أشراط الساعة ليوسف الوابل: (ص:249).
(16) كالحال عند جماعة الحجتية الإيرانية المتطرفة.
(17) ‏اليهود تاريخ وعقيدة- كامل سعفان: (ص:167)- دار الاعتصام-1981م.

البطاقات الدعوية