عربي - Deutsch - Française - Português - Español - - Italiano - русский

حاورنا عبر الحوار المباشر 

اسأل عن الاسلام

كيف تعتنق الإسلام

تعرف خطوات الدخول في الاسلام

 

تنكر طائفة من الملحدين [1] الماديين [2]وغيرهم أن يكون لهذا الكون إله خالق مدبر ميسر، بل يزعمون أنه وجد صدفة، وأن الطبيعة بقوانينها هي التي تسير في حركة ذاتية يحكمها قانون التطور والارتقاء؛ فالعناصر والكائنات تتطور وترتقي من حال إلى حال ومن كون إلى كون، فالقرد يتطور إنسانا، والإنسان ينتهي إلى تراب، ولا يوجد إله يخلقه، أو يحييه، أو يميته.

والجواب عن هذا في خلاصة مركزة كما يلي:

1. المظهر العقدي للإلحاد هو إنكار وجود الله - سبحانه وتعالى - والمظهر السلوكي له هو النظرة الإباحية إلى الحياة ومتاعها، وهو يروِّج لنفسه على المنهج العلمي ويُحث على إعماله.

2. الجهل بالحقائق الدينية الكبرى هو الذي هيَّأ للمدِّ الإلحادي المناخ الملائم للانتشار والرواج، ثم لحدوث نتائجه الطبيعية من الاضطراب النفسي والقلق والانتحار، فالإلحاد لا ينتشر إلا حيثما تغيب القيم الدينية عن الحياة، أو حيثما تكون هذه القيم في رتبة من الضعف والتهافت تجعلها قاصرة عن هداية الفرد أو توجيه المجتمع وجهة صالحة.

3. إذا لم يكن لهذا الكون إله، فكيف خُلق؟ ولماذا خلق وكيف يدبر أمره؟ وما مصيره؟ كل هذه أسئلة حارت فيها عقول المنكرين، ولم يجدوا لها جوابًا شافيًا، وكان الجواب في الدين.

4. إن إنكار وجود الله دعوى إلحادية لا دليل عليها، بل الأدلة العلمية والعقلية تناقضها، وتقضي بوجود الخالق سبحانه وتعالى.

5. دائما ما تتجه فطرة الإنسان إلى الخالق وتؤمن بوجوده؛ لأنها مفطورة على ذلك، ولكن الإنسان هو الذي طمس على هذه الفطرة بجحوده ونكرانه.

6. إن نشأة الإلحاد تُعدُّ انحرافًا طارئًا على الفطرة السليمة التي تُوقن بوجود الله؛ لذلك فهو انحراف عن المسار الصحيح للإنسان.

7. إن ما يؤكد زيغ الإلحاد عن صراط الله المستقيم، تلك الآثار المروعة الناتجة عن الثقافة الإلحادية، وما الأمراض النفسية والعقلية وذيوع الجرائم وتفشِّي الإدمان والشذوذ والانتحار إلا أمثلة لهذه الآثار المروعة.

8. إن رجوع كثير من الملحدين واعترافهم بوجود الله بعد طول تأمُّل و نظر ثاقب يُعدُّ دليلًا جليًّا يشهد بأن الفطرة السليمة تتجه إلى الله تعالى وتؤمن بوجوده.

9. ولا تنس أن علماء أوربا وفلاسفتها قد حذَّروا المجتمعات والحكومات من عواقب ما أنتجته الثقافة الإلحادية من ظواهر تحمل بين طيَّاتها عوامل انهيارها وسقوط حضارتها عاجلًا أو آجلًا؛ بسبب الفساد العقدي الذي تنطوي عليه.

وللمزيد انظر التفصيل الآتي:

أولا. معنى الإلحاد وأساسه النظرى وأسباب انتشاره ومساؤه:

أ. معناه وأساسه النظرى:

الإلحاد يعني الإنكار، والإلحاد من الناحية الفكرية هو إنكار وجود الله - سبحانه وتعالى - وعدم الإقرار به، والإلحاد في مستوى التصور هو حالة الحرية بلا حدود، أما في مستوى العمل والسلوك فيدافع عن الإباحية.

والخاصية الحسية المادية الإلحادية تتجسد في الفكر الفلسفي والأوربي منذ عصر النهضة إلى اليوم، فلقد نادى فلاسفة عصر النهضة بأن "كل العقائد المضادة للخبرة الإنسانية والملاحظة (التجريبية) يجب أن تستبعد، وسخروا من النبوات والمعجزات، والوحي، وكل الشعائر والطقوس الدينية بوصفها خرافة، وشبه "فولتير" (1694 - 1778م) خلق الله للكون بتجميع صانع الساعات للساعة، ثم انقطاع صلته بعد ذلك.

ويزداد إنكار الخالق - عز وجل - في هذه الفلسفة في رفض دافيد هيوم (1711 - 1776م) العقائد الدينية على أساس عدم إمكان البرهنة عليها، لا بالتجربة العلمية، ولا بالعقل الإنساني، وهاجم هيوم رب فولتر نفسه معلنا: "أننا رأينا الساعات تصنع، ولكننا لم نر العالم يخلق".

وزعم فرويد (1856 - 1939م) أن الدين مصدره اللاشعور، لا الوحي، وزعم استحالة البرهنة على صحة الإيمان الديني، ومن ثم أنكر وجود الله".

ولا تزال الثقافة الأوربية بعيدة عن الإيمان بالله، وكتبه ورسله، وعن الإقرار بأن الوحي مصدر من مصادر المعرفة، ونتيجة لإنكار كل وسيلة معرفية غير الحواس، كالحدس والوحي، أنكرت الفلسفات الأوربية المعاصرة كل وجود غير حسي كوجود الله، والملائكة والروح والشيطان، ووقع التصادم والتناقض التام بينها وبين العقائد الدينية الأساسية.

ب. أسباب انتشار الإلحاد:

1. الجهل: إن أول بيئة ينمو فيها الإلحاد هي البيئة التي يسود فيها الجهل بالدين، ويغيب عنها العلم والإيمان، فكتل الجماهير التي لا تتلقى تربية وتغذية روحية، وقلبية، ستقع - إن عاجلا أو آجلا - في براثن الإلحاد، وإذا لم تتدخل العناية الإلهية فإنها لن تستطيع إنقاذ نفسها، إذا لم تبذل الأمة عناية خاصة في تعليم ضرورات الإيمان لأفرادها.

 

2. اللامبالاة تجاه أسس الإيمان، وعدم الاهتمام بها: ومثل هذا السلوك الذي يتسم بحرية التفكير ما إن يجد أية أمارة صغيرة تعين على الإنكار وعلى الإلحاد، حتى ينمو هذا الإلحاد ويزداد، مع أنه لا يستند إلى أي سبب علمي، ولكن إهمالا معينا، أو غفلة معينة، أو تقييما خاطئا، كل ذلك قد يولد الإلحاد.

 

3. اعتمادهم الأول على قوانين الطبيعة التي هي أهم أداة في يد الإلحاد: لكن هل يمكن أن تكون هذه الطبيعة الجميلة التي تسحر النفوس والأرواح مثل شعر منظم نتيجة مصادفات عمياء؟

 

إن كانت الطبيعة تملك - كما يتوهم هؤلاء - قوة قادرة على الإنشاء والخلق فهل نستطيع أيضاح كيف استطاعت الطبيعة الحصول على مثل هذه القدرة؟ أنستطيع أن نقول إنها خلقت نفسها بنفسها؟ أيمكن تصديق مثل هذه المغالطة المرعبة؟

 

4. النظرة الإباحية: التي ترى الاستفادة من كل شىء موجود مهما كان ذلك الشيء، أي النظرة التي تستند إلى الفائدة والتلذذ من جميع النعم، وتبذل المحاولات اليوم لصب هذه النظرة في قالب فلسفي وفكري ومنهجي.

 

5. غياب النظرة التدبرية في الكون: وهي النظرة المجردة من الأهواء والميول الشهوانية، أو تغييبها، من قبل دعاة الإلحاد، والذين يريدون للعقل ألايتدبر إلا ما يكتبونه، ولا يأخذ إلا بنظرياتهم المادية.

 

ج. مساوئ الإلحاد:

إن مساوئ الإلحاد كثيرة ومتعددة، ومن أهمها الآتي:

1. الأمراض النفسية: يقول العالم النفسي الشهير يونج 1875 - 1961م: "طلب مني أناس كثيرون من جميع الدول المتحضرة مشورة لأمراضهم النفسية في السنوات الثلاثين الأخيرة، ولم تكن مشكلة أحد من هؤلاء إلا الحرمان من العقيدة الدينية".

ويمكن أن يقال: إن مرضهم لم يكن إلا أنهم فقدوا الشيء الذي تعطيه الأديان الحاضرة للمؤمنين بها في كل عصر، ولم يشف أحد من هؤلاء من المرض، إلا عندما استرجع فكرته الدينية". والشىء الذي فقدوه هو الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى.

2. يحرم الإنسان من كل النعم: ويدعه بلا أمل ولا أمن، ويقبل الإنسان على الدنيا فيصطدم بالآخرين، ويحتدم الصراع، ويتردد الإنسان بين الملل والألم - كما يقول "شو بنهود" - الملل إذا فاز في الصراع وأشبع بطنه وفرجه، والألم من الحرمان إذا انهزم ولم يشبع حاجاته؛ فالإلحاد يهدم الدين، ولا يعطي الناس شيئا بديلا.

3. انتشار الجريمة والإحساس بالتعاسة، وإدمان الخمر للهروب من الواقع، والانتحار للتخلص من الملل والقلق والغربة النفسية في المجتمعات الملحدة، حتى وصل الانتحار بين الإفريقيين في جنوب إفريقيا إلى (10 - 100.000)، وبين البريطانيين (1 - 100.000) وبين الأمريكيين إلى (11 - 100000).

 

ثانيًا. نظام الكون وتناسقه شاهد على ألوهية الله - عز وجل - ووحدانيته:

كل هذه أسئلة حارت فيها العقول، وعجزت عن إجابتها الأفهام؛ لأنها اعتمدت على أفكار إلحادية مسبقة تنكر وجود الخالق - سبحانه وتعالى - تلك القيود التي كبلت العقول عن أن تنطلق في رحاب الخلق لتستدل به على الخالق، وطمست على الأفهام، فلم تتفتح لتدرك مظاهرة القدرة ودلائل الإعجاز في بديع صنع الله في الآفاق وفي الأنفس، ولكن كما يخاطب القرآن الوجدان البشري ليوقظه إلى حقيقة الألوهية، فإنه كذلك يخاطب العقل البشري ليفكر ويتدبر، وينظر في آيات الله في الكون ليعرف دلالتها، وإليك نماذج من الأسئلة التي ترد على العقل ليتفكر ويتدبر.

· هل يمكن أن يوجد هذا الكون الهائل بغير خالق؟

· هل يمكن أن يدبر شئون هذا الكون الضخم إلا إله قادر عليم حكيم؟

· هل يمكن أن يكون لهذا الإله شريك في الملك، أو شريك في التدبير؟

· هل آيات القدرة المبثوثة[3] في تضاعيف الكون[4] تشير بأن هذا الإله يمكن أن يعجز عن أمر من أمور الخلق، أو التدبير أو الرزق، أو الإحياء أو الإماتة، أو البعث أو الجزاء؟

وتلك كلها أمور سبق للقرآن أن خاطب فيها وجدان الإنسان وعقله؛ فكما عرض هذه الأمور كلها على الوجدان عرضا مؤثرا ينتهي باقتناع الوجدان وإدراكه لحقيقة الألوهية، فكذلك يعرضها على العقل؛ يناقشه ويوقظه للتفكير المنطقي السليم، الذي يؤدى في النهاية إلي الغاية ذاتها، وهي إدراك حقيقة الألوهية، ومن ثم وجوب الإيمان بالله الواحد دون شريك.

والآيات التي تخاطب العقل وتدعو إلى التأمل والتدبر كثيرة في القرآن نجتزئ بذكر نماذج منها كقوله تعالى: {وفي الأرض آيات للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21)} [الذاريات].

ولو تأمل الإنسان بعقله الآيات المبثوثة في الأرض، والآيات المبثوثة في النفس لأصابه العجب والذهول لكل آية من هذه الآيات المعجزة، التي ينم كل منها على وجود الخالق سبحانه، وعلى قدرته المعجزة التي لا تقف عند حد.

فالأرض جرم صغير بالنسبة للأجرام السماوية الضخمة التي يزخر بها هذا الكون، لا تعدو أن تكون كحبة الرمل بالنسبة للصحراء الواسعة التي لا يأتي البصر على آخرها. ومع ذلك ففيها - على ضآلتها - من آيات الله المعجزة ما يعجز الخيال عن تتبعه فضلا عن إحصائه، وفيها من الخصائص التي أودعها الله بها ما يذهل العقول.

فقد هيأها الله - وحدها فيما نعلم حتى اليوم من الأجرام الأخرى - بخاصية الحياة، وجعل لها من الظروف ما يجعل الحياة عليها ممكنة الوجود والاستمرار، فكتلتها محسوبة بحساب رباني دقيق يجعل جاذبيتها تحتفظ حولها بغلاف جوي لا يتبدد، وفي هذا الغلاف يوجد الأكسجين المطلوب لتنفس الكائنات الحية [5]، وبالقدر المطلوب لتنفس هذه الكائنات بلا زيادة فيه ولا نقصان؛ لأن الزيادة والنقصان هما معا مما يضر هذه الأحياء! وحرارتها محسوبة بذلك الحساب الرباني الدقيق، بالصورة التي تحتملها الكائنات الحية فلا تموت من شدتها ولا من ضعفها!، والأقوات فيها محسوبة بحيث تفي بحاجة تلك الكائنات من الغذاء مع توازن دقيق بين هذه الكائنات وبين أقواتها: {والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون} [الحجر/9]، {وقدر فيها أقواتها} [فصلت/10].

وعلى ذكر التوازن في الأرض بين الكائنات الحية والتوازن في الأقوات، فقد ذكرت الأنباء أن الشيوعيين في الصين سولت لهم أنفسهم الشريرة أن يقتلوا جميع العصافير الموجودة في الصين بحجة أنها تأكل عشرة في المائة من مجموع الغلال التي يزرعونها! فجندوا في كل القرى والمدن فرقا تتناوب الضرب على الدفوف وقطع الصفيح ليل نهار لمدة ثلاثة أيام، فكلما أرادت العصافير أن تأوى إلى عشوشها؛ لتنام أو تستريح أزعجها الصوت فعادت إلى الطيران، حتى هلكت جميع العصافير من الجوع والعطش، والتعب وعدم النوم، وفرح الشريرون بأنهم قضوا على تلك المخلوقات الصغيرة اللطيفة، واطمأنوا إلى أن المحصول سيصل إليهم كاملا غير منقوص! ولكن الله كان لهم بالمرصاد! فإن الحشرات الضارة التي كانت تلك العصافير تأكلها فتمنع أذاها عن الزرع بحكمة الله وتدبيره، انتشرت في الأرض بعد موت العصافير فأكلت خمسين في المائة من المحصول! وهكذا حين أراد هؤلاء أن يغيروا التوازن الذي أوجده الله في الأرض بحكمته أصابهم الجزاء الرادع من عند الله، وكانت هذه آية لهم لو كانوا يعتبرون!

وهكذا لو مضينا نتتبع آيات الله في الأرض لوجدنا عجائب لا تنتهى:{وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} [الرعد/4].

فالأرض فيها قطع متجاورات تختلف بنية كل منها عن الأخرى رغم تجاورها، بعضها ينبت الزرع وبعضها لا ينبته، وبعضها يصلح لأنواع معينة من الزرع دون غيرها، وتلك وحدها عجيبة.

ثم إن الأرض الواحدة تنبت أنواعا شتى من الزروع والنخيل والأعناب كلها يسقى بماء واحد، ولكن بعضها يختلف عن بعض، حتى النوع الواحد كالنخيل تخرج منه النخلة المفردة والنخلة المزدوجة، وتلك عجيبة أخرى.

ثم إن هذه الزروع مختلفة الطعوم والمذاقات، يفضل الناس في طعامهم بعضا منها على بعض، وتلك عجيبة ثالثة.

ثم إن الطعم الواحد قد يفضله إنسان ولا يفضله إنسان آخر حسب ذوقه الخاص المركب في طبعه، وتلك عجيبة رابعة.. وصدق الله العظيم: {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (4)} أما الآيات في الأنفس فإنها أعجب! فالخلية [6] الواحدة الملقحة التي يتكون منها الجنين تشتمل على كل خصائص الجنس البشري، وهي لا تكاد ترى! فينمو منها إنسان كامل فيه كل خصائص الإنسان!

ثم إنها تنقسم وتتخصص في أثناء نمو الجنين، فيصبح جزء منها رأسا، وجزء آخر يدا، وجزء ثالث قدما، وهكذا. ثم إنها تحتوي كذلك على جزئيات تحمل الخصائص الوراثية التي يرثها الجنين من الأب والأم أو الأجداد، فقد يحمل الجنين صفة من الأب كلون الشعر مثلا، وصفة من الأم كلون العينين وصفة من أحد الجدود، كالطول أو القصر، أو شكل الأنف، أو شكل الأذن. بل الأعجب من ذلك وراثة الصفات النفسية والعقلية كالكرم أو البخل، والشجاعة، أو الجبن، والذكاء أو الغباء، والميل إلى العلوم أوالميل إلى الآداب!

وهذه الصفات العقلية ذاتها: ما هي؟ كيف توجد؟ وأين توجد؟ كيف يفكر العقل؟ كيف يتذكر الإنسان ما يتذكر؟

إن كل أبحاث العلم حتى هذه اللحظة قد عجزت عن أن تقول لنا كيف يفكر العقل، وكيف يتذكر! وأين تكون الأفكار، وأين تختزن المعلومات، وكيف يستدعيها الإنسان حين يريد استدعاءها، وكيف تخطر على باله أحيانا بغير استدعاء!

 

والصفات النفسية كذلك، ما هي؟ كيف توجد وأين توجد؟ كيف تتكون في النفس صفة الكرم، أو البخل، أو الشجاعة، أو الجبن؟ وفي أي مكان تكمن هذه الصفة في الإنسان؟ في جسمه؟ أين؟ في مخه؟ أين؟ هل هي شىء معنوي أو مادى؟ وفي كلا الحالين كيف تؤثر في تصرفات الإنسان وسلوكه؟

 

وأعجب من ذلك: كيف تورث؟!

 

ولو مضينا نتتبع خصائص الإنسان، وآيات الله في الأنفس، لما انتهينا من العجب لكل خصيصة وكل آية، ولأدركنا أن هذا كله لا يمكن أن يحدث من تلقاء نفسه بهذه الدقة المذهلة، لا بد له من موجد، ولا بد أن يكون هذا الموجد حكيما وقادرا إلى حد الإعجاز، وإلا ما استطاع أن ينشئ هذا الخلق الدقيق المعجز، الذي تحتوي كل جزئية منه على عجائب لا يحصرها العقل.

 

ومن أجل ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: {وفي الأرض آيات للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21)} [الذارايات]، {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (23) أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24)} [الأنبياء].

 

في هذه الآيات يخاطب القرآن العقل لكي يتدبر الأمر ويستخلص نتيجة منطقية لما يرى حوله من الآيات، ويطالبه أن يأتي بالبرهان على ما يدعيه مخالفا للحق الظاهر.

 

فالحق الظاهر أن هذا الكون متناسق إلى أبعد ما يتصور العقل من التناسق: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور (3) ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (4)} [الملك].

 

فدورة الفلك المضبوطة التي لا تختل قيد شعرة في هذا الكون العريض كله، ودورة الليل والنهار الناشئة من حركة الأفلاك، والتي تأتي في موعدها المضبوط بالدقيقة والثانية وأجزاء الثانية على مدار الفصول، وعلى مدار القرون والأجيال.

 

وخواص المادة التي أودعها الله فيها - لا تخطئ مرة واحدة على مر الزمن، ولا تختلف مرة عن مرة، فالحديد هو الحديد، والنحاس هو النحاس، والأكسجين هو الأكسجين، لا يتغير تركيبها ولا خواصها، ولا يتغير سلوكها إزاء الحرارة والبرودة، أو إزاء الضغط أو في تفاعلاتها الكيماوية مع غيرها من العناصر. لا يحدث مرة واحدة أن يتكون الماء إلا من ذرة الأكسجين وذرتين من الأيدروجين[7]، ولايحدث مرة أن يسخن الحديد فلا يتمدد، ولا يحدث مرة أن يطرق النحاس فلا ينطرق.

 

والذرة التي هي أبسط التكوينات التي أمكن للعلم حتى اليوم أن يكشف عنها في نظامها الدقيق العجيب المكون من نواة[8] - هي البروتون[9] - وأجسام صغيرة غاية في الدقة - هي الإلكترونات - تدور حولها في نظام دقيق، متجاذبة معها ومتعادلة في الشحنة الكهربائية في وضع يشبه الشمس ومن حولها الكواكب.

 

والخلية الحية وسلوكها العجيب في غذائها وإفرازها ونموها وتكاثرها، والكائنات الحية وخصائصها التي تميز كل جنس منها عن الآخر، وتميز كل نوع من أنواع الجنس عن الآخر، فللنبات عامة خصائصه، ولكل نوع من النبات خصائصه، وللحيوان خصائصه، ثم لكل نوع من أنواعه خصائصه.

 

ثم إن الإنسان أعقد الكائنات الحية وأرفعها، وكل جزء في تكوينه عجيبة في تناسقه وأداء وظيفته، هل يمكن مع ذلك كله إلا أن يكون في السماوات والأرض إله واحد مسيطر مدبر حكيم هو الله سبحانه وتعالى؟ {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء/22].

 

أليس كل إله يخلق بمفرده كيف يشاء؟ فكيف يتطابق الخلق الصادر عن واحد من الآلهة مع الخلق الصادر عن إله غيره؟ كيف تكون الشجرة التي يخلقها واحد من الآلهة متطابقة تماما في كل أحوالها مع الشجرة التي يخلقها إله آخر؟ كيف يكون الماء الذي يخلقه أحد الآلهة هو الماء نفسه الذي يخلقه الإله الآخر من ذرة من الأكسجين وذرتين من الأيدروجين؟

 

كيف تنتظم دورة الفلك التي ينشئها إلهان مختلفان، ويشرف على شئونها أكثر من إله؟ هل يمكن أن تنتظم إذا تعددت الإرادة التي تهيمن عليها والسلطان الذي يسيرها؟

 

ألا يحدث أن واحدا من الآلهة يريد الشمس أن تشرق من المشرق وآخر يريدها أن تشرق من المغرب! وكيف يصير الأمر؟

 

ألا يحدث أن واحدا من الآلهة يريد للإنسان أن يستوي على قدميه ويسعى في الأرض يبتغي الرزق ويعمر الأرض، وآخر يريد له أن يمشي على أربع كالحيوان، أو يبقى لاصقا بالطين على ساق واحدة كالنبات؟ فكيف يصير الأمر؟

 

ألا يحدث أن واحدا من الآلهة يريد للحديد أن يكون صلبا تصنع منه الأدوات الصلبة التي تعين الإنسان على عمارة الأرض وتعينه على صنع السلاح الذي يقاتل به لإعلاء كلمة الله، بينما إله أخر يريد أن يكون الحديد طريا لينا عديم الشكل؟ فكيف يصير الأمر؟

 

هل ينضبط شىء حينئذ في الكون كله؟ وهل يستقيم الأمر؟ أم يصبح الكون فوضى، تتصادم فيه الأفلاك وتتعارض، وتتصادم فيه الإرادات المشرفة عليه وتتعارض، ويصبح كالعقد المنفرط لا يجمعه نظام؟ من أجل ذلك يخاطب القرآن العقل فيقول له: {سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون} [الزخرف/82]، ثم يخاطبه مرة أخرى متحديا بعد هذا البيان:

{أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم} [الأنبياء/24].

 

نعم! فليبحث العقل عن برهان! إن الأمر ليس فوضى، يقول فيه القائل بهواه! بل لا بد لكل قول من برهان، فهاتوا برهانكم! هل تستطيعون أن تبرهنوا - والكون بهذا الاتساق المعجز - أن هناك إرادة أخرى تسيطر على الكون غير إرادة الله؟

 

فإن عجز العقل عن البرهان - وهو لا محالة عاجز - فليتدبر أمره، وليؤمن بالله الواحد الذي لا شريك له في الملك ولا في السلطان: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون} [المؤمنون/91].

 

في مثل المناقشة العقلية التي ذكرناها في الفقرة السابقة، يجري السياق هنا مناقشة مع العقل البشري، يقدم لها بمجموعة من الآيات يلفت فيها العقل إلى بعض الحقائق المسلم بها التي لا يجادل فيها أحد ولا ينبغي أن يجادل فيها: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85) قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون لله قل أفلا تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون (88) سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون (90) ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (91)} [المؤمنون].

 

فإذا سلم الإنسان ابتداء بأن الأرض ومن فيها من صنع الله وإنشائه وهو مالكها، وإذا سلم بأن السماوات السبع هي لله، هو منشئها وهو ربها ورب العرش العظيم، وإذا سلم بأن ملكوت كل شىء لله، وهو المدبر فيه وحده، وهو الذي يجير بقوته ولا يجار عليه؛ لأنه صاحب العظمة والسلطان.. بدهيات لا يملك عقل أن ينكرها وإلا جابه هذا السؤال الوارد في سورة الطور: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} [الطور/35]، وهو سؤال مسكت ملجم يتحدى كل منكر.

 

إذا سلم الإنسان بكل هذا فقد لزمه - منطقيا - أن يسلم بالنتيجة التي تؤدي إليها هذه المقدمات، وهي أنه إله واحد لا شريك له، ولا يمكن أن يكون له شريك؛ لذلك يكرر السياق التذكير بعد كل مقدمة من المقدمات: {أفلا تذكرون}، {أفلا تتقون}،

{فأنى تسحرون}، ولكن السياق لا يكتفي بالتذكير المصحوب بالتقريع[10] ، بل يمضي مع العقل البشري خطوة أخرى في المناقشة فيعرض أمامه هذه الحقيقة ليتدبرها:

 

لنفرض جدلا أنه كان مع الله آلهة أخرى فكيف يكون الموقف؟ {إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} [المؤمنون/91].

 

في الفقرة السابقة في آية سورة "الأنبياء" كان يعرض أمر الفساد الذي كان لا بد أن يحدث في السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة إلا الله {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء/22]. وما دام هذا الفساد غير حادث، والكون منضبط في حركته كما نرى، فقد انتفى - إذا - وجود آلهة غير الله.

 

وفي هذه الآية من سورة "المؤمنون" يعرض الأمر من الوجهة الأخرى، وجهة الآلهة ذاتهم - لو أنهم أكثر من إله واحد - وما كان لا بد أن يحدث بينهم من صراع ونزاع: {إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} [المؤمنون/91].

 

فإذا كان كل إله خلق جزءا من الخلق فهل يعقل أن يتنازل عن خلقه لإله آخر؟ أم المعقول والبدهي أن يتشبث بخلقه ويستحوذ عليهم، ويحاول أن تكون له السيطرة عليهم وحده؟ وعندئذ ماذا يحدث؟! يحدث نزاع بين الآلهة المزعومة على السيطرة! هذا يريد أن يسيطر وهذا يريد أن يسيطر! كل منهم يريد أن تكون له وحده الكلمة النافذة في الكون، ويكون أمره هو المطاع! هذا يصدر أمرا ويطلب تنفيذه، وذاك يصدر أمرا مضادا ويطلب تنفيذه، وكل يتشبث بكلمته زاعما أنه هو الأعلى وهو الأحق بأن تسمع كلمته ويطاع!

 

فهل هذه الآلهة - المتوهمة - تستحق الاحترام وهي هكذا تتعامل مع بعضها البعض؟! وهل يستقر حال الكون وهي - في صراعها على السلطة - تصدر الأوامر المتباينة للكون، فيحار الكون لأي أمر يذعن وأي أمر يطيع؟! كلا! ما كان حال الكون ليستقر لو أنها آلهة متعددة تتصارع فيما بينها وتتنازع، وما كان الكون ليبدو متناسق الحركة متناسق الصنعة متناسق التدبير.

 

والعقل البشري مكلف أن يفكر ويتدبر.. فما دام الإنسان قد سلم - أو ينبغي أن يسلم - بأن الأرض لله، والسماوات السبع لله، والملكوت لله، والتدبير لله.. فماذا بقي - إذن - من عمل تقوم به تلك الآلهة الأخرى، المزعومة؟

 

وما دام الكون في سيره لا يبدو عليه الخلل والاضطراب، بل يظهر فيه الاتساق الكامل والانضباط، أفلا يدل ذلك على وحدة السيطرة التي تدبر شئونه وترعاه؟! قال تعالى: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون (59) أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون (60) أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون (62) أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون (63) أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (64)}[النمل].

 

هنا في الحقيقة خطاب للوجدان والعقل في آن واحد، وقد أسلفنا القول بأن القرآن كثيرا ما يقرن خطاب الوجدان مع خطاب العقل في سياق واحد، ولكنا هنا سنركز تركيزا أكبر على أدلة العقل وبراهينه، وفيما مضى من الحديث عن الوجدان في الفصل السابق ما فيه الكفاية.

 

يبدأ السياق بسؤال في الآية الأولى بعد حمد الله والسلام على عباده الذين اصطفاهم بالنبوة والرسالة، وهذا السؤال يواجه الإنسان بعامة، وعقله بصفة خاصة: {آلله خير أما يشركون}.

 

والإجابة عن السؤال تقتضي الموازنة - إن كان هناك مجال للموازنة - بين الله سبحانه وتعالى، وبين الآلهة المزعومة التي يعبدها بعض الناس مع الله، أو من دون الله، ليتبين أيهما خير: آلله أم تلك الآلهة المدعاة؟

 

والسياق القرآني يبادر العقل بما يعينه على معرفة الإجابة الصحيحة، إن كان - لسبب من الأسباب - يجهلها فيقدم له أول المعينات في صورة سؤال آخر لو اهتدى لإجابته - وهي بدهية في الحقيقة - لاهتدى في الوقت ذاته لإجابة السؤال الأول الذي تصدر السياق، وهو قوله تعالى: {آلله خير أما يشركون}.

 

تسأل الآية الثانية في السياق: من الذي خلق السماوات والأرض؟ ومن الذي أنزل عليكم من السماء ماء فأنبت به حدائق بهيجة المنظر ما كان لكم أن تنبتوا شجرها لولا ما أنزل الله لكم من السماء من ماء، ولولا ما أودع فيها - هي ذاتها - من خاصية النمو حين ينزل عليها الماء؟

 

وقبل أن يجيب الإنسان الذي يوجه له ذلك السؤال، يبادره السياق بسؤال ثالث يحمل في طياته إجابة السؤال السابق: يقول: {أإله مع الله}.

 

وهكذا يحاصره السياق حصارا كاملا بحيث لا يجد مفرا من الإجابة الوحيدة التي يستقيم بها الأمر كله! {أإله مع الله}؟ كلا! وإذا فالسؤال السابق ليست له إلا إجابة واحدة كذلك: {أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} [النمل/60]؟ هو الله!

 

ولقد كان يكفي العقل والوجدان معا هذه الجولة لتقر النفس بألوهية الله الواحد بلا شريك، ولكن الله العليم الخبير يعلم من أحوال النفس البشرية أنها تحتاج إلى التذكرة مرات ومرات؛ ومن ثم يبدأ السياق على النسق ذاته جولة ثانية، وثالثة، ورابعة، وخامسة. {أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون} [النمل/61].

 

فإذا كانت الجولة الأولى مع خلق السماوات والأرض، ومع الماء النازل من السماء إلى الأرض، ومع الحدائق النابتة من نزول الماء، فهذه الجولة كلها في الأرض، تذكر جعل الأرض مستقرا للإنسان يجد فيها رزقه ومعاشه ومتاعه المقدر له إلى حين، وتذكر جعل الأنهار خلال هذه الأرض، وجعل الرواسي لها لتكون سببا في استقرارها، وجعل الماء العذب الذي أعده الله لشرب الكائنات الحية محجوزا عن الماء المالح الذي تعج به البحار والمحيطات. وكلها من آيات رحمة الله بالإنسان كما أنها من آيات قدرته، فمن غير هذا الإله القادر يستطيع أن "يجعل" كل هذه الأشياء على صورتها التي هي عليها؟ وعندئذ يجىء التعقيب في مكانه: أإله مع الله؟ وإجابته قد تقررت منذ الجولة السابقة، ولكنه المزيد من التوكيد.

 

أما الجولة الثانية ففي محيط البشر، تذكرهم بما يقع لهم، ولكنهم ينسونه في غفلتهم: أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف ما به من سوء؟ ومن يجعلكم خلفاء الأرض جيلا بعد جيل، ترثون الأرض بعد آبائكم وتتمكنون فيها وتسخرونها لمعايشكم؟ أيتم ذلك من تلقاء نفسه؟ وكيف يتم إذا لم يخلقكم الله أصلا من أصلاب آبائكم؟ وكيف يتم إذا لم يبق الله الأرض لترثوها منهم؟! ثم يجىء التعقيب المكرر، ليزيد الأمر توكيدا في النفس: أإله مع الله؟، والإجابة هي الإجابة بالنفي بكل تأكيد.

 

والجولة الثالثة مع البشر كذلك، ولكنها تذكر نعما أخرى من نعم الله على الإنسان، من يهديكم في ظلمات البر والبحر؟ فإذا كان ضوء الشمس يهديكم بالنهار ولكنكم تنسون النعمة وتغفلون عنها، فإنكم أولى أن تتذكروا الهداية في الليل والظلمة محيطة في البر وفي البحر، فهنا تتلمسون الهداية فلا تجدونها إلا بعون الله لكم سواء بالنجوم تحدد لكم اتجاهكم، أو بالقمر يرسل نوره فيكشف جانبا من الظلمة، أو فيما هداكم الله إلى عمله من المشاعل والمصابيح التي تنير الظلام. ثم نعمة أخرى يذكر الله بها الإنسان: ومن يرسل الرياح تبشر برحمة الله المتمثلة في السحاب والمطر! {أإله مع الله}؟ كلا! {تعالى الله عما يشركون} [النمل/63].

 

وتجىء الجولة الاخيرة كالأولى تشمل السماوات والأرض، وتربط ما بين السماوات والأرض، وتزيد عليها ذكر البعث: من الذي يبدأ الخلق ثم يعيده؟ أهناك غير الله من تبلغ قدرته أن يخلق من لا شىء؟ ومن يعيد الخلق حين يشاء؟ ومن يرسل لكم الرزق من السماء والأرض؟ {أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقي}!

 

وحين يصل السياق إلى غايته يكون الوجدان والعقل قد وصلا كذلك إلى غايتهما من التمثل لهذه الحقيقة الكبرى: حقيقة وحدانية الله بلا شريك. فإذا جاء التحدي الأخير: {هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}، فليس له جواب إلا الاقتناع الكامل والتسليم: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون (31) فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (32) كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33) قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون (34) قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (35) وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون (36)} [يونس].

 

السياق هنا قريب من السياق السابق في آيات سورة "النمل" ولكنه يختلف عنه في أمرين:

 

الأول: أنه في السياق السابق كان يذكر آيات الله في السماوات والأرض والناس ثم يسألك أإله مع الله؟ وتكون الإجابة الضمنية الطبيعية هي: لا! ليس مع الله إله. ليس لله شريك في الخلق، ولا في الملك ولا في التدبير.

 

أما هنا فالسياق يشير إلى الشركاء بالذات، ويركز عليهم، يركز عليهم لينفي وجودهم، ولكنه لا ينفيه نفيا مباشرا، إنما من خلال سؤال مكرر: هل من شركائكم - المزعومين بطبيعة الحال - من يفعل كذا أو كذا مما يفعله الله؟ فإذا كان الجواب بالنفي - ولا بد أن يكون بداهة كذلك - فماذا يفعل الشركاء إذن؟ وإن لم يكن لهم عمل فما معنى وجودهم؟ إنهم إذن لا وجود لهم ما داموا لا يعملون شيئا على الإطلاق!

 

والثانى: أنه ينبه العقل الغافل إلى طريق التفكير الصحيح. إنه لا يجوز للعقل - الذي خلقه الله للتفكر والتدبر - أن يأخذ الأمور بالظن، دون تمحيص وبرهنة وإثبات، والظن لا يغني شيئا من الحق، فعلى الذين يأخذون القضية بالظن أن يتخلوا عن هذا الطريق الخاطئ ويتبعوا الطريق الصحيح، طريق الدليل الصحيح والبرهان.

 

تبدأ الآية الأولى بسؤال حاسم: من يرزقكم من السماء والأرض؟ من يملك السمع والأبصار؟ من يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحى؟ من يدبر الأمر؟ وهي لمحات سريعة في مجالات شتى في آن واحد، تحاصر العقل وتحصره في إجابة واحدة: {فسيقولون الله} [يونس/31] وإذا كان الأمر كذلك "أفلا تتقون" وقد عرفتم الإجابة الصحيحة على السؤال!

 

{فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} [يونس/32]؟ الله الذي عرفتموه، وعرفتم أنه هو الذي يرزقكم من السماء والأرض، ويملك سمعكم وأبصاركم ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويدبر الأمر.. هو ربكم الحق، لا ربوبية لغيره، فكيف تتجهون إلى غيره؟ كيف تحيدون عن الحق الواضح فتضلون؟ فإن من تجاوز الحق فليس أمامه سوى الضلال: {وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار} [غافر/6]؛ لأنهم يصرون على مجاوزة الحق فيقعون في الضلال.

 

ثم تجىء المناقشة التي أشرنا إليها: {قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده} [يونس/٣٤]، فإذا كان الجواب بالنفي - كما لا بد أن يكون - {قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده}، فإذا اتضح هذا الأمر: أن الله يبدأ الخلق ثم يعيده، بينما الشركاء المزعومون لا يبدءون خلقا ولا يعيدون: {فأنى تؤفكون} أنى تصرفون عن الحق وتتبعون الزور والإفك؟

 

ثم مناقشة أخرى: {قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق} [يونس/35]، والجواب - كالمرة السابقة - بالنفي. فلم يؤثر عن أحد من أولئك الشركاء المزعومين أنه أنزل لهداية البشر كتابا ولا أرسل رسولا! فإذا كان الأمر كذلك: {قل الله يهدي للحق}، فيرسل الرسل وينزل الكتب ويدعو الناس إلى ما فيه صلاح الدنيا وصلاح الآخرة، {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}[يونس/25].

 

ثم يمد السياق المناقشة خطوة أخرى: إذا كان الله يهدي للحق، والشركاء المزعومون لا يهدون إلى الحق، فمن أحق أن يتبع ويطاع: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي}، آلله أحق أن يتبع أم أولئك الذين لا يهتدون من ذات أنفسهم ويحتاجون هم أنفسهم إلى من يهديهم؟ والإشارة هنا إلى الأصنام التي كان العرب يعبدونها في الجاهلية، ولكنها في الحقيقة تنطبق على كل من يتوجه إليه الناس في كل عصر، ممن لا يملكون لأنفسهم الهدى، ويتصدون لهداية الناس! فإلى أي شىء يهدونهم إلا إلى الضلال؟ {فما لكم كيف تحكمون}؟

 

أين عقولكم التي تفكرون بها؟ وكيف أدت بكم هذه العقول إلى هذا الحكم الفاسد الذي تحكمون به في القضية، فتقولون - بألسنتكم أو بأفعالكم -: إن هؤلاء الشركاء أولى بالاتباع من الله، وهم لا يملكون الهدى لأنفسهم فضلا عن هداية الناس؟

 

السبب هو أنهم لا يحكمون عقولهم في الحقيقة، ولو حكموها لحكمت بالصواب، فالأدلة قائمة والبراهين موجودة، ولكنهم يتبعون الظن فيضلون عن الصواب: }وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا} [يونس/36]، والله أعلم بهم: {إن الله عليم بما يفعلون (36)}، {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} [الطور/35].

 

هذه الآية تحمل أكبر تحد للعقل البشري الضال خلال التاريخ.. وكأنها نزلت للضالين اليوم الذين ينكرون وجود الله ويلجون في الغي والإلحاد.

 

إن الذين يلجون في الغواية إلى هذا الحد لا ينكرون وجود الله في الحقيقة، فلا يمكن للفطرة - مهما ضلت - أن تنكر وجود الله الخلاق، ولكنهم - لسبب من الأسباب - يكابرون ويتظاهرون بالإنكار.

 

وحتى أولئك الذين يعيشون في ظل الإلحاد، في الدول الشيوعية، ويدرس لهم الإلحاد في المدارس، ويتربون عليه، ويتلقونه في كل حصة من حصص الدراسة - حتى هؤلاء لا تقر نفوسهم بإنكار وجود الله إلا مجاراة للأوضاع، وخوفا من سطوة الدولة هناك، وإليك مثالا يثبت لك هذه الحقيقة.

 

حين صعد جاجارين رائد الفضاء الروسي الأول إلى الجو، أخذته روعة الكون وذهل لما رآه، لقد رأى الكون على صورة أخرى غير التي نراها ونحن على سطح الأض مغلفين بالغلاف الجوى، لم ير السماء زرقاء كما نراها نحن، إنما رآها سوداء تماما، ورأى الكواكب والنجوم في داخلها لامعة شديدة اللمعان، لقد كان المنظر - كما يصفه رواد الفضاء - يشبه قطعة من المخمل[11] الأسود مرصعة بالجواهر اللامعة.

 

وفوجئ جاجارين بما رآه.. فوجئ بالتجربة الجديدة، والمشهد الجديد كما ذكرنا آنفا يوقظ الحس من غفلته، ويوقظ المشاعر من سباتها، ويجلي الكون جديدا كأنما يواجهه الإنسان لأول مرة، فيدرك من دلائل إعجازه ما كان غافلا عنه من قبل، ويحس بيد الله المبدعة وآثارها في تضاعيف هذا الكون.

 

وهذا هو الذي حدث لجاجارين، لقد نسى كل إلحاده الذي ربته المدرسة عليه.. نسى كل الدروس التي لقن فيها أنه لا وجود لله.. وأخذ يحملق في الكون مدهوشا من صنعة الله، مبهورا بما رآه من إعجاز.

 

وحين هبط إلى الأرض كان أول تصريح أدلى به للصحفيين الذين استقبلوه: "حين صعدت إلى الجو أخذتني روعة الكون فمضيت أبحث عن الله"! وهكذا تنطق الفطرة حين تواجه الحقيقة! وهذا على الرغم من كل الإلحاد الذي لقن لجاجارين"[12].

 

كلا! إن الفطرة لا يمكن أن تنكل أبدا عن الشهادة: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف/172]، إنما الذي يحدث أن الإنسان الضال يكابر في هذه الحقيقة؛ لأنه لا يريد أن يخضع لله، ولو أقر علانية بوجود الله للزمه أن يطيعه وأن يعبده، وهو - لأمر من الأمور - لا يريد، وبدلا من أن يبدو مقصرا وناكلا [13] - باعترافه - فإنه يتفلسف فيدعي أنه لا يؤمن بوجود الله.

 

كيف تم من العدم بغير خالق؟ ثم كيف انتظم بعد أن تم؟ ثم كيف حافظ على نظامه كل تلك الملايين من السنين التي لا يحصيها العقل البشري دون أن يحدث في نظامه خلل أو اضطراب؟!

 

هل يتم ذلك كله بغير خالق؟! هل يتقبل العقل هذا القول، حتى إن ضل هذا العقل وسار في الظلمات؟

 

يقولون: إن الطبيعة هي الخالق! كذبوا! وما الطبيعة؟! يقولون: إن الطبيعة تخلق كل شىء ولا حد لقدرتها[14]، سبحان الله! أليس هذا هو الله؟ هو الذي يخلق كل شىء ولا حد لقدرته؟! فلماذا نسمي الله بالطبيعة؟ أي منطق في هذه التسمية العجيبة؟ ألا إنه الهوى، وليس العقل، وليست "الفلسفة"!

 

الهوى الذي يمنع الإنسان من الاعتراف بالحق مع أنه - في داخله - يعلم أنه الحق! {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} [النمل/14].

 

ولكن القرآن يتحداهم، يتحداهم منذ أربعة عشر قرنا، وسيظل يتحداهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها، {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون}، أما أنهم هم الخالقون فأمر لم يزعمه أحد من المضلين! بقي السؤال الأول بغير جواب: {أم خلقوا من غير شيء}، وهو السؤال الملجم المسكت، الذي لا يملك أحد من المكابرين أن يرد عليه بالإيجاب.

 

ولم يبق إلا أمر واحد، هو أن يكون هناك خالق، هو الذي خلق الخلق بقدرته، وهو الذي يدبر الأمر وحده بلا شريك... وذلك هو الأمر الذي لا تملك الفطرة أن تنكره وإن ضلت وإن أمعنت في الضلال. إنما ينكره المكابرون باللسان لكبر في نفوسهم عن عبادة الله: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير} [غافر/56].

 

ونستعيذ بالله كما أمرنا الله، ونؤمن في الوقت ذاته بأن أولئك الجاحدين لا يجحدون الله في الحقيقة إنما هم فقط يتظاهرون، وحتى إن وصلت الغاشية بهم إلى أن تغشى قلوبهم وأرواحهم، وسمعهم وأبصارهم، فهم عرضة لأن يتيقظوا لحقيقة الألوهية كما تيقظ لها جاجارين[15].

 

ثالثا. إنكار وجود الخالق دعوى إلحادية لا دليل عليها، بل الأدلة قائمة على وجود الله تعالى [16]:

 

سبق بيان الأدلة التي عرضها القرآن الكريم على وجود الله تعالى، وإذا كانت الأدلة على وجود الله واضحة في الكون والآفاق والأنفس، فإن علماء الكلام دافعوا قديما عن العقيدة الإسلامية، وصاغوا أدلة يدافعون بها عن وجود الله في وجه الملحدين.

 

يقول د. يحيى هاشم: "لقد أرغمت التحديات متكلمي الإسلام على توجيه أنظارهم إلى المباحث التي يدور فيها الاحتكاك بين الإسلام وتلك العقائد، لقد كان لهذا العلم في هذا المجال هدف جليل يتمثل في المحافظة على عقائد المسلمين وكان عليه أن يواجه أعتى أعداء الإسلام وأخطرهم وأقواهم سلاحا وأشدهم تمكنا، وأكثرهم تحالفا وأوسعهم تنوعا".

 

وقد صاغ المتكلمون أدلتهم على وجود الله وأشهر ما يستدلون به:

 

· دليل الحدوث: يقول الإمام الأشعري: من قصد إلى برية لم يجد فيها قصرا مبنيا فانتظر أن يتحول الطين من حالة الآجر وينتضد بعضه على بعض بغير صانع ولا بان كان جاهلا، وإذا كان تحول النطفة[17] علقة[18] ثم مضغة[19]، ثم لحما ودما وعظما أعظم في الأعجوبة كان أولى أن يدل على صانع النطفة ونقلها من حال إلى حال.

 

والإمام الباقلاني من المتكلمين يستدل بدليل الحدوث وتغير الموجودات من حال إلى حال، ويعزو هذا الاستدلال إلى الخليل إبراهيم - عليه السلام - في حجاجه مع قومه؛ ذلك بأنه لما رآها متغيرة من حال إلى حال علم أنها محدثة مفطورة مخلوقة لله سبحانه وتعالى، وأن الله هو الذي خلقها فقال عند ذلك: {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} [الأنعام/79].

 

ويعلق الباقلاني على قول النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي جاء عن عمران بن حصين، حيث قال: «بينما أنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فدخل ناس من أهل اليمن فقال: "اقبلوا البشري يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم"، قالوا: قبلنا جئنا لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان. قال: كان الله ولم يكن شىء غيره، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شىء»[20].

 

يعلق الباقلاني على هذا الحديث بقوله: "قد بين نبينا - صلى الله عليه وسلم - بأحسن بيان يتضمن أن جميع الموجودات سوى الله محدثة مخلوقة"[21]. ويلاحظ أن الباقلاني يرجع إلى نصوص الكتاب والسنة في الاعتماد على حدوث العالم وأن محدثه هو الله عز وجل.

 

يقول الشهرستانى: "وقد سلك المتكلمون طريقين في إثبات الصانع تعالى، وهو الاستدلال بالحوادث بإمكان الممكنات على مرجح لأحد طرفي الإمكان ويدعي كل واحد في جهة الاستدلال ضرورة وبديهة" [22].

 

ودليل الحدوث الذي يستدل به المتكلمون صياغته كالآتى:

 

· العالم ينقسم إلى جواهر وأعراض ولا يخرج عنهما.

 

· الأعراض حادثة، والدليل على حدوثها أننا نشاهدها موجودة بعد أن لم تكن، كحركة الجسم بعد سكونه فهذه الحركة ثابتة بالمشاهدة، وسكونه حادث؛ لأنه بمجىء الحركة قد انعدم ولو كان قديما لاستحال عليه العدم؛ لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه.

 

· الجواهر[23] كذلك حادثة؛ لأنها لا تخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، أما أنها لا تخلو عن الحوادث فلأنها لا تخلو عن الحركة والسكون، وهما حادثان، فالجواهر لا تخلو عن الحوادث[24].

 

إذا ثبت هذا فكل حادث لا بد له من محدث، وهذا بالبداهة، ولا يصح أن يكون المحدث للعالم نفسه؛ إذ إنه يصبح - حينئذ - متقدما على نفسه ومتأخرا عنها وهذا باطل؛ لأن كون الشيء الواحد متقدما على نفسه ومتأخرا عنها في وقت واحد باطل بالبداهة.

 

هذا المحدث للعالم الموجد له لا بد أن يكون مغايرا له في صفاته؛ فلا يكون حادثا بل يجب أن يكون قديما، هذا المحدث للعالم هو الله تعالى.

 

والاستدلال بحدوث العالم على وجود الله تعالى، اتفق المتكلمون عليه من معتزلة[25] وأشاعرة[26]، وماتريدية[27] [28]، على خلافات يسيرة في صياغة هذا الدليل فيما بينهم.

 

استدلال الفلاسفة الإسلاميين، على وجود الله "دليل الإمكان":

 

أما الفلاسفة الإسلاميون فقد ابتدءوا استدلالهم على وجود الله - عز وجل - بأن نظروا في مطلق الوجود، فوجدوا أن منه ما لا يتصور في العقل عدمه، ومالا يتصور في العقل وجوده وهو المممتنع المستحيل، ومنه ما يتصور فيه الوجود والعدم، وهذا الصنف الثالث هو عامة الموجودات، وهو ما تعارفوا على نعته بالإمكان الذاتي، وهو معنى يحتاج إلى مخصص يرجح فيه جانب الوجود على جانب العدم، وهذا المخصص لا بد - وإن تسلسل - أن ينتهي إلى موجود واجب الوجود هو علة غيره، وليس هو علة لشىء غيره[29].

 

أقسام منكري الألوهية:

 

ويمكن تقسيم المنكرين للألوهية إلى ثلاثة أقسام:

 

1. الذين يدعون أزلية الكون وصدوره عن المادة بدون خالق.

 

2. الذين يقولون بالصدفة، أي أن الكون خلق بالصدفة.

 

3. القائلون بالتطور.

 

وهذه الأقسام الثلاثة تختلف في أشكالها وتتحد في مضمونها الذي ينتهي إلى إنكار وجود الخالق - سبحانه وتعالى - ونحن بهذا التقسيم نريد أن نحاصر الماديين في كل جزئية من الجزئيات التي زعموا أنها تؤيد إنكار وجود الله.

 

القسم الأول: أزلية الكون وقيامه بنفسه بدون خالق:

 

إن ادعاء قيام الكون بنفسه ووجوده منذ الأزل شبهة قال بها الماديون قديما وحديثا، فالقدامى زعموا أن العالم قديم، وأنه نشأ من عناصر مادية، على اختلاف فيما بينهم في تحديد هذه العناصر بين الماء والهواء والنار والتراب، أو هذه العناصر مجتمعة كما ذهب "أنبادوقليس" من فلاسفة اليونان، وانتقلت هذه الآراء إلى من عرفوا بالدهرية[30] في المجتمع الإسلامي، الذين ذهبوا إلى القول: "بقدم العالم وأزليته وأنكروا العلة الفاعلية، وكانوا لا يقرون إلا بما أوجده العيان أو ما يجري مجرى العيان".

 

واستمرت هذه النزعة المادية التي تقول بقدم العالم واكتفائه بنفسه على نحو آلي بدون حاجته إلى إله، استمرت إلى العصر الحديث الذي دعمت التجارب العلمية فيه النزعة إلى المادية، وتساءل الطبيعيون[31] لم لا نمد المادة نفسها إلى غير نهاية فنعتبرها الله؟ ولماذا نبحث للكون عن علة مفارقة له؟ وعبر أحد الماديين عن ذلك بقوله: "إن كل شىء يفسر بالمادة والحركة، وأنهما أزليتان أبديتان، والعالم مدبر بقوانينهما وأن الكون ليس مدبرا من إله".

 

وقامت فلسفات مادية، كالماركسية[32] التي تبنت قول الماديين الأوائل في نظرتهم إلى الكون، وظهر هذا في تعليق "لينين" على عبارة "هيراقليطس": هذا العالم الذي هو سواء بالنسبة للجميع لم يخلقه إله من الآلهة، ولا واحد من البشر، ولكنه كان دائما - كما هو اليوم، وسيستمر دائما - نارا بمعايير لاندلاعها، ومعايير لخمودها.

 

يقول "لينين" تعليقا على هذه العبارة "عرض ممتاز لمبادئ المادية الجدلية"، ووصل الأمر بالماديين إلى أن أنزلوا المادة مكان الله، وذهبوا إلى أن أهم الصفات التي يوصف بها الله وهي القدم والخلق وجدناها تضاف عادة للمادة، فالله أمره نافذ، وكذلك القوانين الآلية الميكانيكية.

 

ويمكن وضع تصور الماديين في نقاط محددة هي:

 

· العالم قديم أوجد نفسه بدون علة خارجية.

 

· لا وجود للإله.

 

· اعتبار أن المادة هي الله.

 

وهذه التصورات مفندة ومردود عليها بما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية وبما استنبطه علماء الإسلام من القرآن والسنة، وبما انتهى إليه العلم الحديث في شأن قدم المادة. لقد نزل القرآن بخطاب شامل للبشرية كلها، فكان يواجه المشرك كما كان يواجه المنكر للألوهية، وكان يواجه اليهود والنصارى.

 

وإذا كان وجود الله فطرة فطر الناس عليها، فإن هناك بعض التراكمات على تلك الفطرة تحجب الإنسان عن معرفة الله رب العالمين، وكذلك فإن الأدلة القرآنية راعت - في المقام الأول - أن تزيل هذه التراكمات واستثارت ملكات الإنسان ووجهته نحو ربه - عز وجل - ومع إثارة الفطرة اهتمت الأدلة القرآنية بلفت نظر الإنسان إلى الكون ونظامه ودقته وإبداعه، ومن هنا كانت أدلة القرآن الكريم هي جماع الأدلة وهي منبع الأدلة التي تمخضت عنها أقوال الحكماء في هذا الباب.

 

1. دلالة الاختراع:

 

وهذه الأدلة تعني إثبات أن الله - عز وجل - خلق الكون كله لا على مثال سابق، وتهدف هذه الأدلة إلى إثبات حدوث العالم والرد على القائلين بقدمه وأزليته، وهذه الآيات على سبيل المثال لا الحصر هي قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة/21]. وقوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} [البقرة/164]. وقوله تعالى: {أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون} [الأنبياء/30]، وقوله تعالى: {أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير (20)} [العنكبوت]. وقوله تعالى:{الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} [السجدة/4]. وقوله تعالى: {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين (9) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين (10) ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11)} (فصلت). وقوله تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون (36)} [الطور]. وقوله تعالى: {نحن خلقناكم فلولا تصدقون} [الواقعة/57].

 

إن هذه الآيات تقرر أن الكون لم يكن ثم كان بإرادة الله - عز وجل - وهذا الخلق تم بإرادته ومشيئته في الوقت الذي حدده، يقول تعالى:{وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون} [القصص/68].

 

وذلك لأن الله - عز وجل - فعال لما يريد، وهذا الخلق والاختراع تم بالأمر "كن" يقول الله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل/40].

 

هذه الآيات مجتمعة تقرر أن الحياة لم تكن، ثم كانت بأمر الله في الوقت الذي أراده، ولفظ خلق إشارة إلى التكوين. ويقرر المفسرون في هذه الآيات أن السموات والأرض كانتا معدومتين فأوجدهما الله، والممكنات باعتبار ذاتها وحدها تكون معدومة، واتصافها بالوجود لا يكون إلا من واجب الوجود وهو الله تعالى.

 

والقرآن الكريم يؤكد الدلالة الضرورية من الخلق على الخالق؛ لأن الشيء لا يمكن أن يوجد بدون علة، ولا يمكن أيضا أن يكون هو علة صياغة نفسه، ولذلك لفت الله رب العالمين إلى خلقه للأشياء وإيجادها من العدم، ولم يثبت أن أحدا ادعى أنه أوجدها، وهذه الآيات التي تحدثت عن خلق السماوات والأرض من لا شىء كانت هي الملهمة لما صاغه علماء الإسلام من الأدلة على وجود الله سبحانه وتعالى.

 

يقول الأشعري: "إن سأل سائل فقال: ما الدليل على أن للخلق صانعا صنعه ومدبرا دبره؟ قيل له: الدليل على ذلك أن الإنسان الذي هو في غاية الكمال والتمام، كان نطفة ثم علقة، ثم لحما ودما وعظما، وعلمنا أنه لم ينقل نفسه من حال إلى حال، وإذا كان تحول النطفة علقة ثم مضغة، ثم لحما، ثم دما وعظما، أعظم في الأعجوبة، كان أولى أن يدل على صانع صنع النطفة ونقلها من حال إلى حال، وقد قال الله تعالى: {أفرأيتم ما تمنون (58) أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون (59)} [الواقعة]، فما استطاعوا أن يقولوا بحجة أنهم يخلقون ما يمنون".

 

ويرد على القائلين بقدم النطفة بناء على افتراض سؤالهم "فإن قالوا فما يؤمنكم أن تكون النطفة لم تزل قديمة؟ قيل لهم: لو كان ذلك على ما ادعيتم لم يجز أن يلحقها الاعتمال والتأثير، ولا الانقلاب والتغيير؛ لأن القديم لا يجوز انتقاله وتغيره".

 

فالأشعري قد استخدم دليل الحدوث والعناية للدلالة على أن كل ما سوى الله حادث، وليس بقديم.

 

وابن رشد في كتابه "مناهج الأدلة" يبين أن الأدلة على وجود الله تعالى التي دعا إليها الشرع واعتمدها صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنحصر في جنسين:

 

· دليل العناية: أي عناية الله بالإنسان وخلق جميع الموجودات من أجله.

 

· دليل الاختراع: أي اختراع الحياة في الجماد، نجده في الأجنة وفي مثل فلق الحب، ومن الآيات التي تتحدث عن الاختراع خلق السماوات والأرض، وما بث فيهما من دابة.

 

والآيات التي أوردناها من هذا النوع، تقرر أن الكون مخلوق، وله بداية ونهاية وأن مادته ليست أزلية، والله بدأه من لا شىء، وفي هذه الآيات من الأسرار ما لا يحصى؛ لأن العقول لا تستطيع أن تدركها، إذ إن كيفية الخلق والإعادة من الأمور التي اختص بها الحق سبحانه، وقد أفرد لهذه الطريقة ابن تيمية - رحمه الله - صفحات كثيرة من مؤلفاته، يذكر أن الدلالة بالخلق على وجود الله وتوحيده طريقة الأنبياء - عليهم السلام - وقد استدل بهذه الدلائل الخليل وموسى - عليهما السلام -، إذ إن العلم بافتقار المحدث أبين في العقل وأبده له.

 

ولهذا قال الله تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} [الطور/35]، يقول جبير بن مطعم: لما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها أحسست بفؤادي قد انصدع، إذ كان كل من القسمين: وهوكونهم خلقوا من غير خالق، وكونهم خلقوا أنفسهم معلوم الانتفاء بالضرورة، فإن الإنسان يعلم بالضرورة أنه لم يحدث من غير محدث، وأنه لم يحدث نفسه، فلما كان العلم بأنه لا بد له من محدث، وأن محدثه ليس إياه علما ضروريا، علم بالضرورة أن له محدثا غيره، وكل ما يقدر فيه أنه مخلوق فهو كذلك، كالسماوات والأرض وغيرهما؛ لأن الخلق يتضمن الحدوث والتقدير ففيه معنى الإبداع والتقدير.

 

وقد استدل العلماء بهذه الآيات في مناقشتهم للقائلين بقدم العالم من الدهريين ببطلان الترجيح بلا مرجح، والدور[33]، والتسلسل. وإذا ثبت بالقرآن الكريم والسنة أن العالم حادث، وأن الذي خلقه هو الله، فإن العلم الحديث يثبت هو الآخر أن الكون له بداية وله نهاية، وذلك عن طريق علم الفلك وعلم الفيزياء.

 

يقول أحد العلماء: "إن أهم اكتشاف علمي في القرن العشرين أن الكون أصبح قابلا للبحث باستخدام علمي الفيزياء والفلك".

 

دلالة علماء الفيزياء على حدوث العالم:

 

إن النظرة التي استند إليها الماديون في القول بأزلية المادة، وأن الكون قائم بنفسه بدون خالق له أصبحت بعد الاكتشافات العلمية المثيرة تسمى بالنظرة القديمة.

 

أما النظرة الجديدة فإنها تثبت أن المادة ليست أزلية وأن الكون له بداية وعلة أولى نشأ عنها، يقول الفيزيائي أدموند ويتكر Edmund whittaker: "ليس هناك ما يدعو إلى أن نفترض أن المادة والطاقة كانتا موجودتين قبل الانفجار العظيم، وأنه حدث بينهما تفاعل فجائي، فما الذي يميز تلك اللحظة عن غيرها من اللحظات في الأزلية[34]؟ والأبسط أن نفترض خلقا من العدم، أي إبداع الإرادة الإلهية للكون من العدم".

 

هذا هو العلم الذي يقرر أن الكون حادث ووراءه إرادة أخرجته من العدم، وإن اكتشاف بعض القوانين العلمية الحديثة لينسف القول بأزلية المادة نسفا، لإثبات حدوثها وصدورها عن إله حكيم.

 

من هذه القوانين ما يعرف بالقانون الثاني للديناميكا الحرارية، ومفاد هذا القانون أن المادة إذا ضغطت وسخنت ارتفعت درجة تعادلها الحراري، وكلما ازداد عدد الانكماشات العظيمة للكون ازدادت حرارته ودرجة تعادله الحراري، وبما أن درجة حرارة الكون ودرجة تعادله الحراري محدودتان في الوقت الراهن فلا بد من أنه كانت له بداية، وإن مظاهر الكون المتمثلة في الشمس المستعرة والنجوم المتوهجة والأرض الغنية بأنواع الحياة كلها دليل واضح على أن أصل الكون وأساسه يرتبطان بزمان بدأ من لحظة معينة، فهو إذا حدث من الأحداث، ومعنى ذلك أنه لا بد لأصل الكون من خالق أزلي ليس له بداية، فالقانون يثبت أن الكون ما دام فيه حرارة فلا يمكن أن يكون أزليا؛ لأن الحرارة لا توجد بنفسها، ولو كان أزليا لكان باردا وكان قد استهلك طاقته منذ زمن بعيد وتوقف كل نشاط فيه.

 

ثم إن هناك مواد مشعة في الكون، وهي تفقد أجزاء منها في كل فترة زمنية بانتظام وتتحول إلى مواد أخرى غير مشعة، ولو أن الكون أزلي لكانت هذه المواد المشعة قد تحولت بكاملها.

 

ويؤكد هذا د. بول كلارنس أيرسولد أستاذ الطبيعة الحيوية ومدير قسم النظائر والطاقة الذرية، يقول: "إن الأمر الذي نستطيع أن نثق به كل الثقة هو أن الإنسان وهذا الوجود من حوله لم ينشأ نشأة ذاتية من العدم المطلق بل إن لهما بداية، ولا بد لكل بداية من مبتدئ كما أننا نعرف أن هذا النظام الرائع المعقد الذي يسود هذا الكون يخضع لقوانين لم يخلقها الإنسان، وأن معجزة الحياة في حد ذاتها لها بداية كما أن وراءها توجيها وتدبيرا خارج دائرة الإنسان، إنها بداية مقدسة وتوجيه مقدس وتدبير إلهي محكم". كل هذه الاكتشافات تثبت أن الكون ليس أزليا وأنه لم يخلق نفسه بنفسه.

 

دلالة علم الفلك على حدوث الكون:

 

إذا كان علم الفيزياء الحديثة قد أثبت عن طريق القوانين العلمية أن الكون له بداية، فإن علم الفلك يؤكد ذلك أيضا.

 

يقرر الفلكي جاسترو Robert Jasterow "أن سلسلة الحوادث التي أدت إلى ظهور الإنسان بدأت فجأة وبعنف في لحظة معينة من الزمن، وفي ومضة ضوء وطاقة". ويقرر علم الفلك - أيضا - أن الكون يتسع بالتسلسل الدائم، وأن كل مجاميع النجوم والأجرام السماوية تتباعد بسرعة مدهشة بعضها عن بعض، ولا يمكن تفسير هذه الحالة إلا بالتسليم بأن الكون له بداية، وكانت الأجزاء التركيبية مركزة ومجتمعة بعضها مع بعض، ثم بدأت الحركة والحرارة، والتسليم بهذه القوانين العلمية، ثم إنكار أن يكون لهذا الكون إله كمن يدعي أن الأهرامات قامت بنفسها، مع تسليمه بأن الأهرامات بناها المصريون منذ أربعة آلاف سنة.

 

إن كل هذه الدلائل تثبت حدوث العالم وأن الكون نشا من عدم.

 

كيف تنشأ الحياة من المادة التي لا حياة فيها؟

 

إن الله - عز وجل - يقول: {إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون}[الأنعام/95]. هذا إعلان من الله أنه أخرج الحي من الميت، يجب التسليم به؛ لأنه لم يدع أحد إلى الآن ذلك، وإن ادعاء خروج الحياة من اللاحياة بفعل الطبيعة أو بالتولد الذاتي قول يتناقض مع العقل ومع العلم في آن واحد، أما تناقضه مع العلم فلاستحالة كون المادة مصدر الحياة؛ لخلوها من الحياة، وما كان خاليا من شىء قوة وفعلا لا يمكنه مطلقا أن يكون مصدرا له، والمادة خالية من الحياة بالقوة؛ لأنها لو قدرت أن تبرز الحياة ذات يوم لقدرت أن تبرزها قبل ذلك؛ لأن طبائع الأشياء لا تتغير، وإذا قدرت أن تبرزها قبل ذلك اليوم، فإنها قادرة أن تبرزها الآن، ولا يمكن أن توجد في وقت آخر، وذلك مقرر في مبادئ علوم الطبيعة[35]، أما خلو المادة من الحياة بالفعل فشىء ثابت وظاهر؛ لأننا لم نر مادة جامدة أنبتت حياة.

 

أما تناقض القول بأن الحياة تخرج من اللاحياة مع العلم فيرجع إلى أن "جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية قد باءت بخذلان وفشل ذريعين، ومع ذلك فإن من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر على أن مجرد تجمع بعض الذرات والجزيئات[36] يمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها وتوجيهها بالصورة الموجودة في الخلايا الحية؛ لأن كل خلية من هذه الخلايا قد بلغت درجة من التعقيد يصعب على العلماء فهمها، وأن ملايين الملايين من الخلايا الحية على سطح الأرض تشهد بقدرة الله شهادة تقوم على الفكر والمنطق، وللشخص أن يقبل أن الحياة نشأت بدون إله، ولكنه حين يفعل ذلك فإنما يسلم بأمر أشد إعجازا وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود الله الذي خلق الأشياء ودبرها".

 

ونحن قطعا نسلم بداية بأن الكون مخلوق لله، وأن الحياة تخرج من اللاحياة بإرادة الله، ولكن إذا كان الذين يدينون بالعلم وقوانينه هم الذين يردون على الملحدين بنفس منهجهم وطريقتهم، فإن المسلم عليه أن يستثمر تلك النقطة وأن يستأنس بردود هؤلاء العلماء بعد أن بنى يقينه على العلم الصادر عن الله عز وجل.

 

2. ادعاء عدم وجود الله:

 

فإن الله - عز وجل - يكذب الذين يزعمون ذلك؛ لأنه قد فطرهم على معرفته ووجوده ووحدانيته، يقول الله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون (173) وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون (174)} [الأعراف]، وهذه الآيات تبين أن الله قد فطر الخلق على معرفته وتوحيده، ولذلك يقول: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الروم/30]، والمفسرون أكدوا أن هذه الآيات تبين أن الله فطر الناس على الإقرار بوجوده ووحدانيته، ولهذا كان أكثر الناس على أن الإقرار بالصانع ضروري فطرى؛ لأن اضطرار النفوس إلى الله أعظم من اضطرارهم إلى ما لا تتعلق به حاجتهم، ألا ترى أن الناس يعرفون من أحوال من تتعلق بهم منافعهم ومضارهم كولاة أمورهم وأصدقائهم وأعدائهم، ما لا يعلمونه من أحوال من لا يرجونهم ولا يخافونهم، ولذلك فإن احتياج المخلوق للخالق أبين وأوضح؛ لأنه هو الذي يأتيهم بالمنافع ويدفع عنهم المضار.

 

أما إنكار وجود الله فإنه لا يكون إلا بعد أن تغيرت الفطرة بفعل وساوس الإنس والجن، وفسدت مدارك السمع والبصر والعقل، وهناك آيات كثيرة تثبت عدم الانتفاع بنعم الله من الناحية الإيمانية كما في قوله تعالى: {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110)} [الأنعام]، وهناك الكثير من الآيات التي تبين ذلك.

 

ولكن هذا الفساد يزول عن الإنسان ويرجع إلى ربه حين تصيبه البأساء والضراء، ففي ذلك الوقت تنقشع الغشاوة عن الفطرة، ويعود الإنسان إلى ربه، وقد صرح القرآن الكريم بذلك، يقول تعالى: {هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين} [يونس/22].

 

ويقول تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} [الإسراء/67]. ويقول سبحانه وتعالى: {وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون (52) وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون (53)} [النحل].

 

وهذه الآيات تبين أن الإنسان ساعة الضر وساعة الشدة لا يجد ملجا ولا مفرا إلا إلى الله، وللإنسان أن يتأمل التعبير القرآني في اللجوء إلى الله، والاستعانة به والاستغاثة بقوته ورحمته، هذا التعبير: {فإليه تجأرون} [النحل/53]، فإن الآية تظهر أن الإنسان يجأر؛ أي: يرفع صوته بالدعاء والتضرع والاستغاثة، وهذا يعني أن الدافع الفطري - والإحساس بأن الله هو المنقذ - عميق وقوي ومسيطر على النفس البشرية، ويظهر هذا الشعور حين يمس الإنسان أدنى بلاء.

 

ولذلك فإن الشهرستاني يعتبر أن أوضح الأدلة على وجود الله هو دليل الفطرة السليمة التي شهدت بضرورة فطرتها وبديهية فكرتها على صانع حكيم عالم قدير، والناس إن غفلوا عن الفطرة في حال السراء، فلا شك أنهم يلوذون به في حالة الضراء ويستشهد بالآيات السابق ذكرها.

 

والرسل إنما هم مبعوثون لتزكية الفطرة وتطهيرها عن تسويل الشيطان، فإنهم الباقون على أصل الفطرة، وما كان له عليهم من سلطان، ولذلك قال: {فذكر إن نفعت الذكرى (9) سيذكر من يخشى (10)} [الأعلى]، ومن رحل إلى الله قربت مسافته حيث رجع إلى نفسه، فعرف احتياجه إليه في تكوينه وبقائه وتقلبه، وابن تيمية في "درء تعارض العقل والنقل" يولي كلام الشهرستاني اهتماما كبيرا في الاستدلال على وجود الله.

 

ولا يقولن قائل: إننا نناقش قوما كفروا بالله ورسله وكتبه، فكيف نستدل لهم بآيات من القرآن الكريم؟

 

والحق أن القرآن حين نبه على الدلائل التي توصل إلى معرفته وخاصة دليل الفطرة لم يختص قوما دون قوم ولم يخاطب نفسا دون نفس، وإنما خاطب الناس كلهم؛ لأنه عالم بنفوسهم وتفكيرهم، يقول تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك/14]، وإذا لم يقتنع الإنسان - أيا كان زمانه، ومكانه، وتفكيره - بكلام الله فهل يتصور أن يقتنع بغير كلام الله؟ الحق أن الله - عز وجل - بعد أن أودع القرآن الكريم الدلائل على وجوده ووحدانيته قال: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون} [الجاثية/6]، أي: إذا لم يقتنع الملحد والكافر بآيات الله ودلائله فلن يؤمن بشىء آخر، ثم إن القرآن كان يخاطب أهل مكة، وهو يعلم أنهم على الكفر[37].

 

ولكن لأن أدلة القرآن الكريم تنفذ إلى النفس البشرية وتغيرها كان خطاب الله لهؤلاء، وما على الذي يعرض كتاب الله إلا أن يتحلى باللغة المناسبة والفطرة التي نأخذ منها دليلا على وجود الله من هذه الأدلة التي يتساوى جميع الناس فيها على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وتفكيرهم وفقرهم وغناهم، يشير لهذا د. فاروق الدسوقي في كتابه "القضاء والقدر" فيذكر أن ملحدي العصر يعمدون إلى إنكار الغيبيات لفقدهم الدليل المادي على وجودها فهم لا يؤمنون إلا بالمادة المحسوسة والمناهج التجريبية كوسائل للبحث، والقرآن الكريم يقدم لهؤلاء وسيلة تناسب ما يؤمنون به من الناحية الحسية، لا ليثبت لهم وجود الله، ولكن ليأخذ منهم اعترافا صريحا أن الله موجود في أعماق نفوسهم، فإذا أثبت أن الإيمان موجود في أعماقهم، فقد أثبت ما ينتهي إليه هذا الإيمان.

 

والمنهج الذي يقدمه القرآن لكشف حقيقة المنكرين له هو "المنهج النفسي التجريبي حيث يجري عليهم تجربة نفسية تتلخص في أن نأخذ بعض الملاحدة في قارب صغير في بحر لجي حيث يوشك القارب أن يغرق بهم بشرط أن تكون التجربة دون علم هؤلاء الملاحدة، ثم علينا بعد ذلك أن نسجل مشاهداتنا وملاحظاتنا عن سلوكهم حيال هذا الخطر على حياتهم، وسنرى هل سيتوجهون إلى الأرض أم السماء؟ وهل سيدعون البحر أم رب البحر وخالقه؟ وعلينا أن نسألهم بعد ذلك: من أين لهم هذا الإيمان دون مناظرة أو مجادلة؟ إن القرآن الكريم يخبرنا أنهم في تلك اللحظة لا يؤمنون فقط بوجود الله، ولكن بأنه الواحد الأحد القادر، ونحن نتحدى ملاحدة هذا العصر أن يقيموا هذه التجربة بشرط أن يتحلوا بالأمانة والحياد، والرغبة في الوصول إلى الحق والحقيقة"، وصدق الله العظيم حين قال: {ضل من تدعون إلا إياه}[الإسراء/67].

 

3. خلع صفات الله على المادة[38]:

 

الحق أن الماديين حين كفروا بالله آمنوا بالمادة وفعلوا مع المادة مثلما يفعل المؤمنون مع الله، فإذا كان المؤمن يؤمن بقوة غيبية لا ترى، هذه القوة هي قوة الله، فإن الماديين يؤمنون - أيضا - بقوة غيبية لا ترى وهم مضطرون إلى ذلك فما القانون العلمي والقوة والحركة والزمن والأزلي والأبدي إلامفاهيم لا تخضع للحس والمشاهدة، ومع ذلك لا يجرؤ أحد من الماديين أن ينكرها وإلا كان علمه ساذجا واتهمه زملاؤه بالسطحية.

 

يقول وحيد الدين خان: "إن أي عالم من علماء عصرنا لا يستطيع أن يخطو دون الاعتماد على ألفاظ مثل القوة: Froce، الطاقة: Energy، الطبيعة: Nature، وقانون الطبيعة: low of nature، وما إلى ذلك، ولكن هذا العالم لا يدري ما القوة والطاقة، والطبيعة وقانونها، فهو قد صاغ كلمات تعبر عن وقائع معلومة لكي يبين عللا غير معلومة، وهذا العالم لا يقدر على تفسير هذه الألفاظ تماما كرجل الدين لا يستطيع تفسير صفات الإله، وكلاهما يؤمن بدوره بعلل غير معلومة".

 

وإذا تتبعنا الماديين في كثير جدا من المواقف نجد أنهم لا يختلفون عن المؤمنين في مواقفهم، فإن عندهم إيمانا بل، وعندهم إلهام داخلي.

 

يقول د. كونانت: "أعظم الفروض التمهيدية الكبرى التي جاء بها تاريخ العلم نشأت نتيجة لعملية ذهنية يعبر عنها أحيانا بأنها "مسة من عبقرية" أو خاطرة ملهمة" أو "ومضة من خيال باهر"، وقلما يتبين فيها الناظر أنها كانت نتيجة لتمحيص النتائج كلها أو تحليل منطقي لها، أو محاولة منظمة لصياغتها أدت إلى ما انتهى إليه صاحبها".

 

ونستطيع أن نقول بدون تجاوز للحقيقة: إن المؤمن كما يعبد الله، ويتوجه إليه، فإن المادي يعبد المادة ويتوجه إليها؛ لا فرق بين القدامى والمحدثين، فإن الشهرستاني وصف المادة بأنها معبود الدهريين. وكما يعتقد المؤمن في الرسل فإن المادي يعتقد في الفلاسفة الماديين الذين صاغوا مذهبه، وكما أن المؤمن له كتاب مقدس فإن المادي له - أيضا - كتب مقدسة تتمثل في المؤلفات المادية، وكما أن المسلم يصلي ويعبد الله، فإن الماديين يفعلون ذلك كما في معابدهم البشرية، وكما أن المسلم يذهب إلى بيت الله الحرام، فإن الماديين يطوفون حول قبور زعمائهم كما يحدث في الاتحاد السوفيتي.

 

العبادة لله لا للمادة[39]:

 

يتفق المؤمنون والماديون، كل فيما يعتقد: أن ظواهر العالم متغيرة وأن كل متغير له أصل صدر عنه، وظواهر العالم لها أصل تتغير عنه وهذا متفق عليه، ولكن الكلام في هذا الأصل، هل وجوده لذاته أو لغيره؟ المؤمنون يقولون: إن أصل الكون وهو الله وجوده لذاته، والماديون يقولون: المادة التي صدر عنها الكون وجودها لذاتها، والمؤمنون يجمعون على أن الله ذو سلطان لا راد لأمره، تخضع له حركة الأشياء، والماديون يقولون ذلك - أيضا - بالنسبة للمادة.

 

والسؤال الذي يطرح للمؤمن والمادي هو:

 

هل هذا الأصل من جنس العالم الذي نعرفه أم ليس من جنسه؟

 

الماديون يقولون: إنه من جنس هذا العالم؛ لأنهم لا يعترفون بغير المادة، والمؤمنون يقولون: إنه ليس من جنس هذا العالم: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى/11].

 

والماديون يقعون في التناقض حين يقولون: إن أصل العالم من جنس العالم؛ لما يأتى:

 

· لأن القول بأنه من جنس هذا العالم المادي يقتضي كونه جزءا منه، والقول بأنه أصل العالم يقتضي كونه غيره، وهذا تناقض.

 

· ولأن القول بأنه من جنس هذا العالم يقتضي كونه ذا بداية؛ لأن ما هو من جنس العالم له بداية كما أثبتت النظريات العلمية، وهم يقولون بأزليته.

 

· ولأن القول بأنه من جنس هذا العالم المادي يقتضي كونه فانيا؛ لأن ما هو من هذا العالم يفنى، وهم قد قالوا بخلوده.

 

ولا يقال إننا نريد بالأصل المادة من حيث هي مادة، وهي عندنا "أي الماديين" واجبة لا نهائية أبدية أزلية فلم نقع في التناقض.

 

ونحن نقول للماديين: إن ما تقولونه عن المادة المتصفة بما تقدم يخرجها عن كونها من جنس هذا العالم المادي الذي نعرفه؛ لأن ما نعرفه من هذا العالم المادي إنما هو أفراد؛ فنعرفه ممكن الوجود منتهيا له بداية وله نهاية، فما السبيل إلى معرفتكم المادة المطلقة التي وصفتموها بالأزلية والأبدية، وهي من جنس العالم المادي الذي نعرفه.

 

ولذلك فأنتم تقولون بشىء ليس من جنس العالم، وإن سميتموه مادة فهو خارج عنها غير متصف بصفاتها.

 

وبعد تلك المقارنة نخلص إلى أن المؤمنين يعبدون إلها حقا متصفا بصفات الجلال والكمال. أما الماديون فيشركون مع الله غيره حين يتخذون المادة إلها، وهم في ذلك إنما يعبدون هواهم، وصدق الله العظيم إذ يقول: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون (24)} [الجاثية].

 

إن القرآن الكريم يرسم صورة للنفس البشرية حين تترك الأصل الثابت الذي يحركها وتشعر به وهو الله، ثم تتعبد للهوى وتخضع له وتقيمه إلها قاهرا لها مستوليا عليها.

 

إن القرآن الكريم يعجب من هذا الذي اتخذ إلهه هواه بعد معرفته للحق الذي كان ينبغي أن يصده عما اتخذه من دون الله؛ ولكن لأنه لم يستجب لهدى الله فإنه استحق الإضلال من الله، وتركه في عمايته، ولذلك ختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة.

 

فمهما قدمت له الأدلة والبراهين فلن يهتدى؛ لأنه رفض هداية الله بداية فاستحق الجزاء على ذلك الرفض، وكأن تلك الآية يقرؤها الإنسان للمرة الأولى وهو يرى التطابق بين الفكر المادي وأصحابه والتوصيف الدقيق لهم من الله في هذه الآية الفذة الفريدة، ولا يملك الإنسان إلا أن يقول سبحان من أنزل القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين، وخسارا وبعدا للظالمين الذين حجبوا أنفسهم عن التعرض لهداية الله وتوفيقه.

 

القسم الثانى: القائلون بالصدفة في خلق العالم[40]:

 

لقد وجد قديما في فلاسفة اليونان من ذهب إلى أن الحياة نشأت اتفاقا[41] دون أي علة غائية أو علة خارجية، وبنى العالم على الاتفاق والمصادفة.

 

وهذا بعينه ما وجد عند الدهريين الذين ذهبوا إلى أن العالم كان في الأزل أجزاء مبثوثة تتحرك على استقامة، فاصطكت اتفاقا؛ فحصل عنها العالم الذي نراه!

 

وإذا كان القدامى من الماديين والدهريين قد ذهبوا إلى هذا القول فإن كثيرا من الماديين المحدثين ذهبوا إلى القول بالصدفة لئلا يقروا بوجود خالق، من هؤلاء إرنست هيكل الذي ذهب إلى أن المادة هي الموجد الضروري للحياة، وأن الحياة ترجع إلى أصل واحد هو "المونيرا" التي تركبت اتفاقا من "الأزوت[42] والهيدروجين والأكسجين" ومنها تكونت الحياة.

 

ووصل الثقة بالصدفة وما ينتج عنها إلى زعم هكسلي بأنه لو جلست ستة من القرود على آلات كاتبة وظلت تضرب على حروفها لملايين السنين فلا نستبعد أن نجد في بعض الأوراق الأخيرة التي كتبوها قصيدة من قصائد شكسبير، فكذلك كل الكون الآن نتيجة لعمليات عمياء تدور في المادة لبلايين السنين.

 

بل وصل الأمر إلى أبعد من ذلك حين زعم هيكل عالم البيولوجيا[43] أنه قادر على خلق الإنسان يقول: "ائتوني بالهواء وبالماء وبالأجزاء الكيماوية وبالوقت وسأخلق الإنسان".

 

ويلخص الفيلسوف برتراند رسل تاريخ البشرية كلها في القول بالصدفة فيقول: "ليس وراء نشأة الإنسان غاية أو تدبير، إن نشأته وحياته، وآماله ومخاوفه وعواطفه، وعقائده - ليست إلا نتيجة اجتماع ذرات جسمه عن طريق المصادفة".

 

كانت هذه هي شبه القائلين بالصدفة، وهذه الشبهة لا تخرج في مضمونها عن الشبه الأولى اللهم إلا في الشكل فقط، ولكن المضمون واحد.

 

وسنحاول أن نفند تلك الشبهات مرتكزين على القرآن الكريم مستخرجين منه الأدلة الباهرة التي تبطل القول بالصدفة؛ عن طريق ما أودعه الله في الكون والإنسان والحيوان والنبات من قصد وتدبير، مستأنسين بمفهوم العلماء حول إبداع الله في هذه الأشياء، مستعينين في الوقت نفسه بما قرره العلماء المحدثين من نتائج العلم الحديث حول ما نستشهد به من نماذج.

 

إن القرآن الكريم فيه من الدلائل التي تضيف إلى الخلق والإبداع العناية والقصد في الكون بأسره من شمس وقمر وجبال وأنهار، وإنسان وحيوان ونبات؛ لأن كل مخلوق خلقه الله إنما خلقه لغاية وخلقه بقدر، وإن غاب عن المخلوقين فلا يغيب عن الخالق جل في علاه مصداقا لقوله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر/49].

 

وسنحاول عرض نماذج من الآيات التي تتحدث عن الكون، وما فيه من ليل، ونهار، وشمس، وقمر، وكذلك للآيات التي تتحدث عن خلق الإنسان والعناية به، ثم خلق الحيوان، ثم خلق النبات.

 

1. الآيات الكونية:

 

ويعرف هذا الاستدلال بـ: دليل الآفاق:

 

· يقول الله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} [آل عمران/190].

 

· ويقول سبحانه وتعالى: {فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم} [الأنعام/96].

 

· ويقول سبحانه وتعالى: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون} [يونس/5].

 

· ويقول: {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} [الرعد].

 

· ويقول سبحانه وتعالى: {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار} [إبراهيم/33].

 

· ويقول تعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون (40)} [يس].

 

هذه الآيات على سبيل المثال لا الحصر هي التي يستدل بها العلماء فيما يسمى بـ: الدليل الغائى:

 

وقد قال بهذا علماء الإسلام وعلى رأسهم "ابن رشد"، وقال به الغربيون واعتبره "كانط" أوضح الأدلة كلها على وجود الله، ولكن مع كل ما قاله العلماء تبقى آيات القرآن الكريم شاهدة على أن هذا الكون خلقه الله وأبدعه وسخره، وأي انحراف وخروج عن المسار الذي رسمه الله لمخلوقاته سيحيل العالم إلى فوضى واضطراب، ولن تعمر الأرض بل لن تبقى.

 

والآيات التي عرضناها خير دليل على ذلك، فإن في خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار لدلائل عظيمة شاهدة على الإبداع والعناية، ولذلك كانت من المعجزات التي أيد الله رسوله بها.

 

فعن ابن عباس قال: «أتت قريش اليهود فقالوا: ما جاءكم به موسى من الآيات؟ قالوا عصاه ويده بيضاء للناظرين، وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه، والأبرص، ويحيي الموتى، وأتوا النبي فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا، فدعا ربه فنزلت هذه الآية: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب}

[آل عمران/190]، فليتفكروا فيها»[44].

 

إن الشمس والقمر وسيرهما الدقيق لمن الدلائل على وجود الصانع وعلمه وقدرته، وحكمته، ففلق ظلمة الليل بنور الصبح من أعظم النعم؛ لأن الأحوال الفلكية أعظم في القلوب وأكثر وقعا في النفوس من الأحوال الأرضية، وإن الناظر إلى السماء وما فيها من كواكب تزينها ويهتدى بها في ظلمات الليل، ليمكن أن يتدبر بهذه النجوم والأفلاك، ويستدل بها على اللطيف الخبير.

 

إلا أن الشيء الذي يلفت النظر ويثير الانتباه هو حركة الشمس والقمر، وسير كل منهما في فلك يسبحون، فهذا من أعظم الدلائل وأبينها على القصد والغاية، فضلا عن أن العلماء المحدثين قد اكتشفوا أن أفضل تعبير عن حركة الشمس والقمر هو لفظ "السباحة".

 

يقول وحيد الدين خان: "كان الإنسان في العصر الغابر يشاهد النجوم تتحرك وتبتعد عن أماكنها بعد وقت معين، ولذلك لم يكن هذا التعبير القرآني موضع دهشتهم واستغرابهم، ولكن البحوث الحديثة قد خلعت على هذه التعبيرات ثوبا جديدا فليس هناك تعبير أروع ولا أدق من "السباحة" لدوران الأجرام السماوية في الفضاء البسيط اللطيف.

 

فالشمس والقمر لا ينبغي لأحدهما أن يترك فلكه الذي حدد له لجريانه ودورانه، والمسافات التي جعلها الله بين مدارات الكواكب بعيدة شاسعة حتى لا تصطدم، وكل مقدر له أن يسير في فلكه سبحا فيه كما عبر القرآن الكريم.

 

ويأتي الإعجاز في وضع الشمس والقمر بالنسبة للأرض.

 

إن الله - عز وجل - أتقن حركة الشمس والقمر، وقدر بعدهما عن الأرض، فالشمس التي نعدها اليوم وسيلة حياتنا تبلغ درجة حرارة سطحها اثنى عشر ألف درجة فهرنهيت[45] والمسافة بينها وبين الأرض تبلغ ما يقرب من 93 مليون ميل، وهذا البعد الهائل لا يتغير أبدا بالزيادة أو النقصان، وفي ذلك عبرة وتقدير من العزيز العليم؛ لأن هذه المسافة لو نقصت واقتربت الشمس من الأرض فإن الحياة تصبح مستحيلة على الأرض، ولو أن هذه المسافة بعدت - أيضا - فإن البرودة الشديدة التي تنجم عن هذا البعد سوف تقضي على الحياة على وجه الأرض، ولو حل محل الشمس نجم آخر، فإن الأرض ستصبح تنورا[46] رهيبا لا حياة فيه لإنسان أو حيوان، أو نبات أو جماد.

 

هذا عن الشمس.. فماذا عن القمر؟

 

إن القمر قد جعل الله له مسافة معينة يبعد بها عن الأرض، ومن هذه المسافة ينتفع بالقمر، ويسير الناس في ضوئه ويتغنى الشعراء بطيفه، فماذا لو اختلف بعد هذه المسافة التي عليها الآن؟ إن المد[47] في المحيطات والبحار الذي يرتبط بالقمر كان سيبلغ من القوة بحيث إن جميع الأراضي التي تحت منسوب الماء كانت ستغمر مرتين في اليوم بماء متدفق يزيح بقوته الجبال نفسها وفي هذه الحالة ربما لم تكن لتوجد الآن القارات، ولكانت الكرة الأرضية من الممكن أن تتحطم من جراء هذه الاضطرابات وكان المد الذي في الهواء سيحدث أعاصير كل يوم.

 

من الذي قدر هذه الأمور كلها؟ الصدفة العمياء أم قدرة الله الواحد القهار؟

 

سنضرب مثالا بسيطا من الواقع العالمى:

 

إن الدول الكبرى الآن تتبارى[48] وتتباهى في إطلاق الأقمار الصناعية فهل إذا زعم أحد أن ألف قمر صناعي، أو مائة أو عشرة أو قمرا واحدا، خرج من الأرض، وأخذ يسير في مدار مرسوم متزن حول أرضنا نتيجة لتفاعلات كيميائية بين الأسلاك والحديد وبقية المواد المختلفة هل سيجد هذا الإنسان من يصدقه؟ إن الدنيا بأسرها ستسخر من هذا الإنسان؛ لأنه قد أنكر علم العلماء وتقنيات محطات الفضاء، ومهارة الفنيين والمدربين، قمر صغير لا يصدق أحد بأنه نشأ من تلقاء نفسه ويأتي من يزعم من الماديين أن هذا العالم وجد بالصدفة بما يحويه من ملايين من الأفلاك والنجوم والمجرات[49] السابحة في مداراتها المنتظمة، التي يذهب علماء الفلك إلى أن مصادفة مرور نجمين متقاربين لدرجة تكفي لإحداث مد خفاق هدام هي في نطاق الملايين، وأن مصادفة التصادم نادرة لدرجة وراء الحسبان.

 

إن هذا النظام العجيب والمحكوم القائم على التدبير والتنظيم هو الذي جعل أحد كبار الملحدين وهو "براتراند رسل" يقول: "إننا نجد حتى في مملكة الكواكب عمليات تنطوي على خصائص غائية لا تختلف اختلافا جوهريا عن ملامح السلوك الغرضي في الحيوانات العليا".

 

أين ذهبت المصادفة التي زعمها رسل وادعى أن تاريخ البشرية كلها قائم عليها؟ إن الإبداع والنظام والتقدير في الكون يجعل كبار الملحدين يعترفون بالقوة العليا المهيمنة والمدبرة والمسيطرة، ولكن يمنعهم من الإيمان بها والدعوة إليها الاستكبار والهوى.

 

2. الإنسان:

 

إن الله - عز وجل - خلق الإنسان في أحسن تقويم، وسخر له الكائنات كلها، ولفت نظر الإنسان إلى نفسه، وطلب منه أن يتأملها ويتدبر ما فيها من لطيف الصنع وعظيم الغاية، وجاء ذلك في قول الله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} [فصلت/53]، وفي قوله تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات/21]، ويمتن الله تعالى على الإنسان فيقول: {أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} [مريم/67].

 

ويذكر الإنسان بالنعم الظاهرة فيقول: {قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (23)} [الملك]. ويقول عز وجل: {ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) وهديناه النجدين (10)} [البلد].

 

وهذه الآيات في مجموعها تتحدث عن الإنسان وما أودع الله فيه من ملكات، وأعضاء، ويسمى العلماء هذا الدليل الدليل النفسي:

 

والحق أن الذي يقرأ ما كتبه المفسرون، وعلماء الإسلام حول ذلك الدليل النفسي يرى أن العلماء لم يهتموا بالجانب الظاهري فقط من هذه النعم، وإنما التفتوا إلى الجانب الباطني في الإنسان، من إلهام وإدراك وشعور وفرح وحزن، وغير ذلك من المدارك والمشاعر التي لا ترى ولا تشاهد، وإن الآيات لتشير إلى ذلك في وضوح وجلاء.

 

ومن العلماء الذين اهتموا بالجانب النفسي في الإنسان من هداية ومعرفة بالله ورجوع إليه الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين"، وهو يذكر أن من أهم نعم الله على الإنسان الأشياء الحاصلة للنفس، وهي من أخص النعم كالفضائل النفسية التي يرجع حاصلها - مع تشعب أطرافها - إلى الإيمان وحسن الخلق، والإيمان يشمل علم المكاشفة وهو العلم بالله تعالى وصفاته وملائكته ورسله، ويشمل - أيضا - علم المعاملة مع الخلق، وحسن الخلق الذي يشمل: ترك مقتضى الشهوات والغضب، ويسمى هذا النوع بالعفة ويشمل مراعاة العدل في الكف عن مقتضى الشهوات.

 

ويخلص إلى أن "الفضائل الخاصة بالنفس المقربة إلى الله تعالى أربعة: علم مكاشفة، وعلم معاملة، وعفة وعدالة".

 

ولم يكتف الغزالي بلفت النظر إلى النعم النفسية التي في داخل الإنسان، ولكنه أوضح النعم الظاهرة التي أنعم الله بها على الإنسان، وأعظم تلك النعم نشأته التي يقف الخلق عاجزين أمام صنع الله فيها، وتكوينه من نطفة ثم علقة ثم مضغة، والإنسان إذا فكر في عملية تكوينه في بطن أمه وجد آيات وآيات، ذلك الجزء الذي يصنع العين لماذا يصنع العين؟ والجنين لا حاجة له بالعين، وهو في بطن أمه من الذي نظم للإنسان هذا الجهاز البصري ليرى به ما حوله بعد خروجه إلى الحياة؟ من الذي كون للعين أغشية بصرية رقيقة، وعدسة محكمة، وماء زجاجيا مقدرا، وشبكية[50] تتكون إحدى طبقاتها من ثلاثين مليون عود بصري، وثلاثة ملايين مخروط بصرى[51]؟ ومن الذي أخبر ذلك الجزء من النطفة أن ينشئ العصب البصرى[52]، ويشق له فتحة بقدر محدد في الجمجمة، ويصنع مركزا بصريا في المخ، ويربط به ذلك العصب البصري.

 

وما يقال في العين يقال في الرئتين، إن الجنين لا حاجة له إلى الرئتين بل لو دخل قليل من الهواء إلى القرار المكين[53] لأحدث فيه أضرارا بالغة، فلماذا يصنع إذن هذا الجهاز التنفسي لاستقبال الهواء؟ إن الذي صنع وإن الذي قدر هو العالم بما يحتاج إليه الجنين بعد خروجه إلى الحياة، ولا نملك إلا أن نقرأ قوله تعالى: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} [النجم/32].

 

وما يذكر عن الجنين في بطن أمه يذكر عن الإنسان بعد أن يخرج إلى الحياة، وما فيه من نعم ظاهرة من يدين ورجلين، وسمع وبصر، وإدراك وإحساس، ولقد عرض "الإمام الغزالى" هذه النعم الظاهرة في بيان رائع وأسلوب بديع مبينا الترابط الذي يأخذ بالألباب بين بعض أعضاء الإنسان وبعضها الآخر.

 

الإنسان وأعضاؤه في العلم التجريبى:

 

إذا كان المفسرون وعلماء الإسلام كالغزالي وابن الوزير وغيرهم قد لفتوا الأنظار إلى النعم الداخلية والخارجية للإنسان، وبينوا بديع صنع الله فيه، فإن العلماء التجريبيين قد انكبوا على دراسة الإنسان من الناحية العضوية وخرجوا بنتائج لا يملك الإنسان إلا أن يقول: سبحان الله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، وفي الوقت ذاته لا يملك إلا أن يسخر من الماديين الذين يقولون بالصدفة، فماذا قال التجريبيون[54]؟

 

· مخ الإنسان:

 

إن ملايين الأخبار تجري ليل نهار على جهازنا العصبي، وهذه الأخبار هي التي توجه القلب في تدفقه وفي حركاته، وتتحكم في حركات الأعضاء المختلفة، وتتحكم في الحركات الرئوية، ولو لم يكن هذا النظام موجودا في أجسامنا لصارت الأجسام تلفيقا مبعثرا يسلك كل منها مسلكا خاصا. ومركز هذا النظام مخ الإنسان وفيه يوجد ألف مليون خلية عصبية، ومن هذه الخلايا تخرج الأنسجة العصبية، ويجري في هذه الأنسجة نظام إرسال واستقبال للأخبار بسرعة سبعين ميلا في الساعة، ومن خلال هذه الأنسجة نتذوق ونسمع ونرى ونباشر سائر أعمالنا.

 

· حاسة الذوق:

 

توجد ثلاثة آلاف من الشعيرات[55]المتذوقة، ولكل منها مسلك عصبي متصل بالمخ، وبواسطة هذه الشعيرات يحس الإنسان بالمذاقات المختلفة، ولولا هذه الشعيرات ما شعر الإنسان بطعم حلاوة أو مرارة.

 

· حاسة الإبصار:

 

يوجد في كل عين مائة وثلاثون مليونا من الخلايا الملتقطة للضوء تقوم بمهمة إرسال المجموعة التصويرية إلى المخ.

 

· حاسة السمع:

 

يوجد في الأذن عشرة آلاف خلية سمعية، ومن خلال نظام معقد يسري من هذه الخلايا يسمع مخنا.

 

· حاسة الإدراك والإحساس:

 

توجد أنسجة حسية على امتداد جلد الإنسان فإذا قربنا شيئا حارا فإن ثلاثين ألفا من الخلايا الملتقطة للحرارة تحس بهذه العملية وترسلها إلى المخ، وإذا قربنا شيئا باردا إلى الجلد فإن ربع مليون من الخلايا ترسل هذا الإحساس إلى المخ فيرتعد الجسم، ثم تتسع الشرايين الجلدية فيسرع مزيد من الدم إليها وتزودها بالحرارة.

 

· النظام العصبي:

 

وهو في الإنسان يشتمل على عدة فروع منها الفرع المتحرك ذاتيا، ويقوم بأعمال الهضم والتنفس، وحركات القلب، وتحت هذا الفرع يوجد نظامان:

 

أحدهما: النظام الخالق للحركة. Sympathetic system.

 

الثانى: المانع للحركة. Payasy Sympathetic.

 

والنظام الثاني يقوم بعملية المقاومة والدفاع. والنظام الأول لو ترك الأمر له لزادت حركات القلب زيادة يترتب عليها موت صاحبها، ولو ترك الأمر للنظام الثاني لتوقفت حركة القلب توقفا تاما، ولكن توزعت أعمال النظامين بدقة وعناية، فالنظام الثاني يسود عند النوم، فيسود السكون جميع الحركات الجسمية.

 

وبعد هذه الدلائل الكبرى التي أودعها الله في الإنسان يأتي هيكل ويقول: ائتوني بالماء والهواء وسأخلق الإنسان.. هنا يقول: إني سأخلق فكأن الصنعة لا بد لها من صانع.

 

يقول كريس مويس: "إن هيكل يتجاهل في دعواه الجينات الوراثية[56] فإن أول شىء سيحتاج إليه عند خلق الإنسان هو الذرات التي لا سبيل إلى مشاهدتها، ثم يخلق الجينات أو حملة الاستعدادات الوراثية بعد ترتيب هذه الذرات حتى يعطيها ثوب الحياة، وإن إمكان الخلق بعد هذه المحاولة لا تعدو أن تكون واحدة على عدة بلايين، ولو افترضنا أن هيكل نجح في محاولته فإنه لن يسميها "صدفة" بل سوف يقررها ويعدها نتيجة لعبقريته".

 

ومع هذا الادعاء فلم ينجح أحد إلى الآن في خلق نطفة أو خلية حية فضلا عن الإنسان، وما زال التحدي قائما: {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين} [لقمان/11].

 

3. في الدواب:

 

إن نعم الله لا تحصى على الإنسان في الأنعام؛ فقد سخرها الله له، تحمله من بلد إلى بلد، ويلبس من أصوافها وأوبارها، ثم يأكل منها لحما ويشرب منها لبنا، ولقد وردت آيات في القرآن الكريم تتحدث عن القصد والعناية والغاية من خلق الدواب والأنعام، لا يمكن أن تكون إلا من فعل قادر حكيم عليم.

 

يقول تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون}[الأنعام/38]. ويقول تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين} [النحل/66]. ويقول سبحانه عن النحل: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69)} [النحل].

 

هذه الآيات يبين الله فيها أنه ما من دابة ولا طائر إلا عالم مثل عالم الإنسان في كونها جماعات، وفي كونها مخلوقات يشبه بعضها بعضا، ويأنس بعضها ببعض ويتزوج كل جنس مع جنسه، وأن الله دبر أمرها وخلقها، وهداها، وتكفل برزقها.

 

ولقد قام العلماء المحدثون بدراسة سلوك الحيوانات في العقود الأخيرة، وانتهوا إلى وجود جماعات حيوانية حقيقية، ولم يتم اكتشاف تفاصيل هذه التنظيمات إلا منذ عهد قريب، وسوف ندرس بعض الإشارات التي وردت في القرآن الكريم عن الحيوانات والطيور، ومنافعها، وما ألهمه الله هذه الحيوانات والطيور، من إبداع ودقة ونظام.

 

· الأنعام:

 

إن العبرة التي يلفت الله تعالى نظر الإنسان إليها هي خروج اللبن ذي القيمة الغذائية العالية من بين فرث[57] ودم، وإذا كان القدامى من العلماء قد نظروا إلى الآية على أنها من الناحية الظاهرية معجزة من أكبر النعم على الإنسان، فإن العلم الحديث كشف دلالات ما كانت لتخطر على بال أحد أودعها الله في تلك الآية.

 

ولقد لفت النظر إلى هذه الدلائل اللجنة التي وضعت تفسير المنتخب الصادر عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وأبرز هذه الدلائل ما أورده موريس بوكاي في كتابه "الأسفار المقدسة في ضوء المعارف الحديثة" يقول في تعليقه على هذه الآية: "تأتي المواد الأساسية التي تتكفل بتغذية الجسم عامة من تفاعلات كيميائية تحدث في القناة الهضمية[58]، وتأتي هذه المواد من عناصر موجودة في محتوى الأمعاء، وعندما تصل هذه المواد الموجودة بالأمعاء إلى المرحلة المطلوبة في التفاعل الكيميائي فإنها تمر عبر جدار الأمعاء نحو الدورة العامة، ويتم هذا الانتقال بطريقتين: إما مباشرة بواسطة ما يسمى بالأوعية الليمفاوية، وإما بشكل غير مباشر بواسطة الدودة البابية التي تقود هذه المواد إلى الكبد حيث تقع عليها بعض التعديلات، ثم تخرج من الكبد لتذهب أخيرا إلى الدورة الدموية[59] بهذا الشكل، إذ يمر كل شىء بالدورة الدموية، والغدد الثديية[60] هي التي تفرز مكونات اللبن وتتغذى هذه الغدد، إذا جاز القول، بمنتجات هضم الأغذية التي تأتي بواسطة الدم الدائر.

 

الدم إذن يلعب دور المحصل والناقل للمواد المستخرجة من الأغذية، ويغذي الغدد الثديية منتجة اللبن مثلما يغذي أي عضو آخر، كل شىء يحدث هنا ابتداء من مواجهة محتوى الأمعاء مع الدم في الجدار الأمعائي نفسه، هذه المعلومة المحددة التي تعد اليوم من مكتسبات الكيمياء وفسيولوجيا الهضم، كانت غير معروفة مطلقا في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن معرفتها لترجع إلى العصر الحديث، وإن تحدي الله للبشر ليظهر في هذه الآية فإن البشرية في أوج تقدمها لا تستطيع أن تخرج لبنا من بين فرث ودم كما بينت الآية، بهذا الترتيب الدقيق المعجز.

 

· النحل والنمل:

 

إن النحل والنمل من عجائب المخلوقات، ولقد هداها الله - عز وجل - إلى أمور يعجز علماء العصر عن أن يرتبوها أو يخططوا لها على هذا النحو.

 

فالنحل لها مملكة خاصة بها، ولها ملكة تقوم على رعاية شئون المملكة وتدافع عنها، وإن البيت الذي تبنيه النحلة لهو من أعجب العجب في شكله السداسي بالذات دون سائر الأشكال؛ لأن الشكل السداسي إذا انضمت بعض أشكاله إلى بعض صار شكلا مستديرا كاستدارة الرحى، ولا يبقى فيه فروج ولا خلل، ويشد بعضه بعضا حتى يصير طبقا واحدا لا يدخل من بيوته رؤوس الإبر مما يعجز عن صنعه البشر فمن الذي ألهمها ذلك وهداها، هل هي الصدفة العمياء أو العزيز العليم؟

 

ثم الإلهام لها من قبل الله أن تتخذ من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون، وهو الترتيب الذي يتناسب مع حياة الإنسان فقد ألهمها الله - عز وجل - أن تكون مستعدة لأن تحيا في الكهوف والجبال مع الإنسان في طوره الحجري يوم كان الإنسان يسكن الكهوف والمغارات، كما ألهمها أن تسكن الأشجار عندما انتقل الإنسان من حياة الرعي والتنقل إلى حياة الزراعة والاستقرار، ثم ألهمها في النهاية أن ترحل إلى الخلية عندما يتعلم الإنسان الصناعة ويتحضر على فنونها.

 

فالمراحل الثلاث التي ذكرت في سياق الوحي للنحل هي أوامر إلهية لطبيعة النحل أن تستجيب لحاجات الإنسان كلما طور الإنسان حياته، ثم هناك الإلهام الذي يتخاطب النحل عن طريقه، وهو الرقص الذي تعرف بواسطته الاتجاه الذي يجب أن تتخذه، والمسافة التي توجد عليها الزهور التي سيمتص رحيقها، وأخيرا العسل الذي يخرج من بطونها بما يحويه من شفاء للناس، وهذا ما قرره علماء العلم الحديث أخيرا، وصدق الله العظيم الذي قدر فهدى.

 

· النمل:

 

فله شأن آخر في التنظيم والترتيب والهداية، من أول خروج النملة من بيتها للبحث عن الطعام إلى الحصول عليه والرجوع به إلى بيتها، ذلك بأنها تخرج للبحث عن رزقها، فإذا وجدته حملته، فإذا لم تستطع حمله استدعت زميلاتها فيتعاون جميعا في حمله، وحين تخزينه تنظر إليه فإذا كان مما ينبت فلقته فلقتين، فإذا كان في فلقها إنباتان اثنان عمدت إلى كل فلقة ففلقتها اثنتين، فمن الذي أخبرها أن هذا النبات ينبت في فلقتين وهذا لا ينبت؟ إنه الله تعالى الذي رزقها حاسة شم قوية تدرك بها ما يدركه غيرها بالبصر أو السمع.

 

والأمثلة لا تحصى على هداية الله للكائنات التي خلقها، والمتأمل في سلوكها وما تقوم به من أفعال لا يمكن أن يقول إنها صادرة عن الصدفة العمياء، وما تفعله ثعابين البحر من هجرات طويلة وعودة صغارها إلى مواطن آبائها الأصلية إلا نموذج لتلك الهداية، والأمثلة كثيرة في عالم الطيور والزواحف، والحيوانات، وجميعها أدلة تشهد بخالق بارئ مصور خلق كل شىء فقدره تقديرا.

 

4. النبات:

 

من الأدلة البليغة التي تثبت العناية، والقصد في النبات ما ذكره الله تعالى في الآيات التي تتحدث عن النبات وعجائب صنع الله فيه وتزاوجه نذكر من هذه الآيات:

 

· قول الله تعالى: {وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} [الرعد/4].

 

· وقوله سبحانه وتعالى: {وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون} [النحل/13].

 

· وقوله عز وجل: {وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} [الحج/5].

 

· وقوله تعالى: {خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم} [لقمان/10].

 

· وقوله سبحانه: {سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} [يس/36].

 

هذه الآيات في مجموعها تقرر أمرين:

 

الأول: إعطاء كل نبات خاصية معينة في الطعم والشكل بالرغم من كون النباتات متجاورة متلاصقة، ومع ذلك ترى وهي تسقى بماء واحد ومتعرضة لحرارة واحدة، بالرغم من ذلك كله يراها الإنسان متغايرة الثمر في الأشكال، والألوان، والطعوم والروائح، ومتفاضلة في الأكل منها الحلو ومنها المر، فلو كانت الصدفة هي التي أنتجت هذه الأشياء هل كانت ستراعى هذا التفاضل؟ نقول: كلا وألف كلا، إن الذي خلقها "قادر مريد موقع لأفعاله على وجه دون وجه".

 

الثانى: التناسل في النبات: {ومن كل شيء خلقنا زوجين} [الذارايات/49]، وإن من عجائب صنع الله في النبات عملية التلقيح، والتناسل بين النباتات بعضها بعضا، لقد كشف العلم الحديث عن أن التناسل في النبات يتم بطريقتين:

 

1. جنسية: وهذه الطريقة هي التي تحدد العملية البيولوجية التي تهدف إلى إظهار فرد جديد مطابق لذلك الذي أولده، ويتم هذا التناسل الجنسي بواسطة تزاوج عناصر ذكرية بعناصر أنثوية تنتهي إلى مكونات التجديد المجتمعة على نفس النبات أو المنفصلة عنه.

 

2. اللاجنسية: وهذه الطريقة يتم التكاثر فيها عن انقسام عضو يكتسب بانفصاله عن النبات الأصلي نموا يجعله شبيها بذلك الذي خرج عنه.

 

ولكن كيف، ومتى بدأت هذه العمليات؟ لا يكفي أن يكون هنالك ضوء ومواد كيميائية وهواء لكي ينمو النبات، إن هنالك قوة داخل البذرة تنبثق في الظروف المناسبة تؤدي إلى قيام كثير من التفاعلات المتشابكة، إن تلك البذرة تتكون من أعداد لا حصر لها من العناصر والعمليات، وتكون نباتا جديدا يكون له مثل صفات النبات الذي يخرج عنه بحيث لا تنتج حبة القمح إلا قمحا، ولا بذرة البرتقال إلا برتقالا، وعلى الرغم من التشابه القريب جدا بين أنواع النباتات إلا أن لكل نبات صفاته ومميزاته وخواصه، إن كل هذه الترتيبات تدل على نظام رائع، وجمال لا مثيل له ولا حدود له، كل هذه العجائب يراها الإنسان أينما اتجه في عالم النبات العجيب.

 

ونحن لا نملك إلا أن نردد قول الله تعالى: {صنع الله الذي أتقن كل شيء} [النمل/88]، وقوله سبحانه: {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين} [لقمان/11].

 

استحالة المصادفة من الناحية العملية:

 

يعد هذا التنويع من الدلائل التي تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن القول بالصدفة خرافة الماديين، فإننا نعمد في هذه السطور لنأخذ من علم الحساب والإحصاء خطأ القول بالمصادفة من الناحية الرياضية، ولقد أورد كريسي موريسون رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك مثالا يوضح ذلك، يقول: "لنفترض أن معك كيسا يحوي مائة قطعة من الرخام، تسع وتسعون منها سوداء، وواحدة بيضاء، والآن هز الكيس، وخذ منه واحدة: إن فرصة سحب القطعة البيضاء لا تزال بنسبة واحد إلى مائة غير أن فرصة سحب القطعة البيضاء مرتين متواليتين هي بنسبة واحد إلى عشرة آلاف، والآن جرب مرة ثالثة: إن فرصة سحب تلك القطعة البيضاء ثلاث مرات متوالية هي بنسبة مائة إلى عشرة آلاف مرة بنسبة واحدة من المليون ثم جرب مرة أخرى أو مرتين تصبح الأرقام فلكية".

 

هذا مثال واقعي من الممكن أن يقوم به أي إنسان في بيته، فلننقل هذا المثال إلى خلق الكون بالمصادفة، ولنجرب عليه ما حدث في قطع الرخام، فسوف ينتج لنا ما لا يتصور بأي مقياس من المقاييس.

 

إن البروتينات من المركبات الأساسية في جميع الخلايا الحية تتكون من خمسة عناصر هي: الكربون[61] والأيدروجين، والنيتروجين[62]، والأوكسجين، والكبريت[63]، وعدد الذرات في الجزىء البروتيني الواحد 40000 ذرة، وعدد العناصر الكيميائية في الطبيعة 92 عنصرا موزعة توزيعا عشوائيا، واحتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة لكي تكون جزيئا من جزيئات البروتين يمكن حسابه لمعرفة كمية المادة التي ينبغي أن تخلط خلطا مستمرا لكي تؤلف هذا الجزىء، ثم لمعرفة طول الفترة الزمنية اللازمة لكي يحدث الاجتماع بين ذرات الجزىء الواحد.

 

ولم تقف محاولة العلماء عند حد، فقد قام العالم الرياضي السويسري "تشارلز يوجيه جاى" بحساب هذه العوامل جميعها، فوجد أن الفرصة لا تتهيأ عن طريق المصادفة لتكوين جزىء بروتيني واحد إلا بنسبة واحد إلى رقم عشرة مضروبا في نفسه 160 مرة، وهو رقم لا يمكن النطق به أو التعبير عنه بكلمات، وينبغي أن تكون كمية المادة التي تلزم لحدوث هذا التفاعل بالمصادفة لإنتاج تكوين هذا الجزئ على سطح الأرض وحدها بطريق المصادفة بلايين لا تحصى من السنوات قدرها العالم السويسري بأنها عشرة مضروبة في نفسها 243 مرة من السنين.

 

كم يحتاج خلق الإنسان؟ كم يحتاج خلق الحيوان؟ إذا كانت هذه الأرقام من أجل إنتاج خلية حية واحدة، ومن العجيب أن ينسب المادي الكون إلى المصادفة ولا ينسبه إلى الله، بالرغم من أن الإمكان الرياضي في توفر العلل اللازمة للخلق عن طريق الصدفة في نسبتها الصحيحة هو ما يقرب من لا شىء.

 

القسم الثالث: القائلون بالتطور [64]:

 

وهذه الشبهة نتائجها متضمنة في الشبهتين السابقتين؛ إذ إنها في التحليل النهائي تهدف إلى أن الكون أزلي أبدي، وأنه وجد بنفسه بدون خالق، وأن الأحياء تتطور من جماد إلى حيوان، ومن حيوان إلى إنسان.

 

والقول بالتطور ليس من مبتدعات الماديين المحدثين، ولكن يعود القول بالتطور إلى الطبيعيين الأوائل في اليونان، فقد أشاروا عرضا إلى التطور، وصرح به أنكسمندر في تفسيره لنشأة الكون، حيث زعم أن الأحياء تطورت بعد أن تولدت من التراب، والماء والهواء، فالكائنات كانت في الأصل سمكا، ثم تطورت إلى الأنواع المختلفة التي نراها، والإنسان منحدر من حيوانات مائية مختلفة عنه بالنوع حملته في بطنها زمنا طويلا.

 

وفي الفلسفة الحديثة عرف القول بالتطور عند لامارك الفيلسوف الفرنسي 1748 - 1829 م، وعرف كذلك عند ديدور 1713ـ 1784م، ولكنه اشتهر وارتبط باسم الفيلسوف الإنجليزي تشارلز داروين 1809 - 1882م، الذي ذهب إلى أن الباحث الطبيعي إذا تدبر أصل الأنواع وأنعم النظر فيما يقع بين الكائنات العضوية انتهى به البحث إلى أن الأنواع لم تخلق مستقلة منذ البدء، بل نشأت من أنواع أخرى، وقد اعتمدت نظرية"داروين" في المقام الأول على مجموعة من الحفريات، ومجموعة من الأحياء البحرية، ومن هذه وتلك وجد هناك تشابها عميقا بين الأحياء بعضها وبعض، فخطر له فرض مؤقت هو تطور هذه الأنواع على الرغم من أن لها أصلا واحدا أو بضعة أصول نمت وتكاثرت وتنوعت في زمن مديد بمقتضى قانون الانتخاب الطبيعي، هذا عن الكائنات الحية.

 

أما عن الإنسان فقد ترك داروين مسألة الإنسان معلقة، ولكنه عاد فرأى أن ليس هناك من موجب لاستثنائه من قانون التطور، وقد تبعه في هذه النظرية كثير من الفلاسفة الماديين منهم توماس هكسلي وأرنست هكل وذاعت هذه النظرية ذيوعا كبيرا في الأوساط العلمية بالرغم من عدم علميتها.

 

الرد على التطوريين:

 

1. من القرآن:

 

لقد عرضنا نماذج من الآيات القرآنية التي أوضحت أن الكون لم يكن شيئا ثم كان بأمر الله، وأردفنا ذلك بمقررات العلم الحديث التي أثبتت عدم أزلية الكون واستحالة صدور الكون عن مادة لا حياة فيها، وهنا نؤكد أمرين:

 

الأول: أن الله - سبحانه وتعالى - أعلن الإبداع في خلق الأشياء كلها في قوله تعالى: )ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون([الذاريات/49]، وهذه الآية وغيرها كثير من الآيات في القرآن ترد على الذين يقولون بالتطور من النبات إلى الحيوان، ومن الحيوان إلى الإنسان.

 

الثاني: أن الله - عز وجل - قد سخر من الذين يقولون ذلك ونفى عنهم العلم، يقول تعالى: {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا} [الكهف/51]، فالذين يتحدثون عن تطور الكائنات بعضها من بعض لم يشاهدوا هذه الكائنات، ولو سألنا واحدا منهم هل شاهدت نباتا تحول إلى حيوان؟ سيجيب بالنفي، ولو سألنا آخر هل شاهدت قردا تحول إلى إنسان؟ سيجيب بالنفي.

 

وحينئذ يقعون في التناقض؛ لأن العلم الذي يبنون عليه إلحادهم ويتبجحون بنتائجه ويقوم على التجربة والحس والمشاهدة يتناقض مع ما يدعونه؛ لأنه يتنافى مع أبسط قواعد البحث العلمي وهو التحقق من صحة الفروض، وهم لم يتحققوا بعد من فروضهم حول التطور، فكيف ينادون بنظرية التطور على أنها حقيقة؟

 

حقائق القرآن اليقينية عن خلق الإنسان:

 

إن أول ما نبدأ به حديثنا عن خلق الإنسان هو آدم عليه السلام.

 

الله - عز وجل - يقرر أنه خلق آدم من تراب وقبل ذلك لم يك شيئا، يقول تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون (28) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (29)} [الحجر]، وهذه الآية تبين أن آدم مخلوق بإرادة الله، ولم يتطور عن نبات أو حيوان، وبعد أن خلقه خلق زوجه حواء، على اختلاف بين المفسرين هل خلقت من ضلعه أو خلقت من جنسه، ومعرض اختلافهم حول تفسير قوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء/1].

 

فهل النفس هنا يقصد بها آدم أم أن النفس هنا بمعنى الجنس أي من جنس واحد؟ ولن نعرض لاختلافهم، فالذي يهمنا هو أن آدم وحواء هبطا من الجنة أسوياء مخلوقين لا متطورين عن شىء آخر، وهذا إن دل فإنما يدل على أن آدم - عليه السلام - ظهر في أعلى مراحل النضج البشري، يدل على ذلك قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32) قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33)} [البقرة].

 

وشىء آخر نضيفه قبل أن نترك آدم - عليه السلام - وهو أن إرادة الله لا تخضع لنواميس البشر ومقاييسهم، وإلا فماذا يقول التطوريون في خلق عيسى - عليه السلام - الذي شبهه الله بخلق آدم عليه السلام.

 

هذا ما يتعلق بخلق آدم وأنه مخلوق بداية ولم يتطور عن شىء. أما سائر البشر، فإن الله قد أشار إلى خلقهم منذ أن كانوا نطفة إلى أن اكتملت صورتهم وحسن خلقهم، يقول الله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (14)} [المؤمنون].

 

هذه الآية وغيرها كثير من الآيات التي تتحدث عن الإنسان ومراحل خلقه المختلفة منذ أن كان سائلا منويا إلى كمال تكوينه، توضح أن الإنسان مزود من قبل الله تعالى بخصائص معينة تظهره في أحسن صورة، ولا مجال للتداخل على الإطلاق بين الحيوان والإنسان؛ لأن كلا منهما خلق مستقل عن الآخر فلا يمكن للحيوان أن يتجاوز نوعه، ولا يمكن للإنسان أن يتجاوز نفسه، فهما خلقان، والإنسان مميز بالنفخة الإلهية التي صار بها إنسانا مسخرا له ما في الأرض جميعا، مجهزا لحمل الأمانة التي كلفه الله بها، فالأطوار التي يمر بها الإنسان سواء وهو في بطن أمه أو بعد خروجه للحياة لا تمت للتطور الذي يتكلم عنه الماديون بصلة، فهذه المراحل والأطوار لا تعدو أن تكون نموا للإنسان من النطفة إلى العلقة إلى المضغة، وكذلك من الطفولة إلى الصبا إلى الشباب إلى الكهولة إلى الشيوخة، وهذه الأطوار لم تخرجه عن كونه إنسانا فيه كل مقومات الإنسان، يشير إلى هذا موريس بوكاي في قوله: "إن مقولات القرآن عن التناسل البشري تعبر في ألفاظ بسيطة عن حقائق أولية أنفقت البشرية مئات السنين لمعرفتها".

 

أما ما يستند عليه التطوريون في دعواهم من وجود تشابه بين الإنسان والإنسان، وبينه وبين الحيوان، فلا ينهض دليلا على التطور وإنما يستخدم شاهدا على قدرة الله - عز وجل - فإنه على الرغم من هذا التشابه؛ فإن لكل إنسان صورة تختلف عن صورة الآخر، هذا فضلا عن أن البشرية كلها منذ خلقت إلى أن يفنى العالم لن يجد فيها العلماء بصمات إنسان مشابهة لبصمات إنسان آخر على امتداد تاريخ البشرية كلها، فمن الذي أوجد هذا الاختلاف؟ العناصر المتطورة التي لا تحس ولا تشعر أم الله الخالق البارئ المصور؟ إنه الله الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى.

 

إن دعاة التطور لا دليل لهم من عقل أو حس، يقول الأفغانى: "من واهياته ما كان يرويه دارون عن جماعة كانوا يقطعون أذناب كلابهم، فلما واظبوا على عملهم هذا قرونا صارت الكلاب تولد بلا أذناب، كأنه يقول حيث لم تعد للذنب حاجة كفت الطبيعة عن هبته، وهل يصمت إذن هذا المسكين خبر العبرانيين والعرب، وما يقومون به من الختان لآلاف السنين وإلى الآن لم يولد واحد منهم مختونا إلا لإعجاز".

 

وسوف يتضح لنا تهافت نظرية التطور من خلال العلم الحديث عند عرضنا لنقد نظرية التطور.

 

2. العلم الحديث ونقده لنظرية التطور:

 

بعد أن قدمنا وجهة النظر الإسلامية وهي من وجهة نظرنا كافية لإبطال نظرية التطور، إلا أننا نريد أن نتبع وجهة النظر القرآنية بما انتهى إليه العلم من نتائج حول التطور.

 

ونحن حين نعرض وجهة النظر الحديثة فإنما نعرضها لأمرين:

 

الأول: أن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.

 

الثانى: هو كما يقول أستاذنا د. عبد الله الشاذلى: إن إبطال بعض الآراء العلمية بما يناقضها في نفس المجال وبنفس المنهج العلمي ذاته يجعلها تتناقض، ويترتب على ذلك أن تتأرجح وتسقط؛ ولأن بعض البشر يميلون إلى سماع آراء المعارضين، ومن ثم فإن سماع وجهة النظر الغربية في بطلان القول بالتطور لا يعد تدعيما لوجهة نظر القرآن، وإنما هو اعتراف بالحقيقة التي أقرها القرآن الكريم.

 

وتتلخص وجهة النظر الغربية في نقد التطور في الآتى:

 

1. إن هذه النظرية ظنية وليست قائمة على التجربة أو المشاهدة، ونظرية التطور لم يلاحظها أحد أو جربها في معمله؛ لأن ذلك ضرب من المستحيل، فهي نظرية معقدة فضلا عن أنها تتعلق بماض سحيق جدا موغل في القدم؛ ولذلك فإن أصحابها يتعاملون معها لا على أنها فرض علمي، أو تجربة علمية، ولكن على أنها عقيدة، يقول السير آرثر كيث: "إن نظرية الارتقاء عقيدة أساسية في المذهب العقلى". وتعرف - أيضا - في أحد المعاجم العلمية بأنها "نظرية قائمة على تفسير بلا برهان".

 

2. لقد ألف مجموعة من العلماء كتابا تحت عنوان "خلق لا تطور" وانتهوا فيه إلى ما يأتى:

 

· الجماد غير قادر على تحسين نفسه، بل هو على الضد يميل إلى التجرد أو الاستقرار، ولا فائدة من الاعتماد على طول الزمن؛ لأن طول الزمن يؤدي إلى الانحلال والتفكك، وبسبب انقراض المعادن وتفتت الصخور، وعلى هذا فالزمن عامل رئيسي للهدم وليس للبناء، ومن ثم فالزمن هو العدو الأول للتطور، وليس سلاحا يتسلح به التطور، وعلى عكس ما يزعم دعاة التطور.

 

· هناك إجماع من العلماء المشتغلين بالأحياء على أن الحياة لا بد أن تأتي من الحياة، وليس هذا فحسب، وإنما الإجماع منعقد على أن كل كائن حي يأتي بمثله، ولذلك فإن الاستدلال بقانون الانتخاب الطبيعى[65] يفسر عملية بقاء الأصلح، ولا يمكن - أبدا - أن يفسر حدوث هذا الأصلح، وهذا ما جعل العلماء يذهبون إلى أن التطور هو أحد السنن الكونية والذي يحتاج إلى من يبدعه، فهو - إذن - من خلق الله وصنعه.

 

إن كل ما يفعله الانتخاب الطبيعي هو أنه إحدى الطرق التي تسلكها بعض الكائنات في سبيل البقاء، أو الزوال عن طريق الحياة، والتكاثر بين الأنواع المختلفة أما الأنواع ذاتها التي يتم فيها الانتقاء فإنها تنشأ عن خطوات تخضع لقوانين تسير بعناية وتدبير، ولا تخضع للصدفة العمياء.

 

الإصرار على الكفر هو سبب تمسك الماديين بنظرية التطور:

 

والسؤال الذي يطرح هنا إذا كانت نظرية التطور غير ثابتة علميا فلماذا التمسك بها والإصرار عليها من جانب الماديين؟

 

وإن تعجب فعجب قولهم: إن العلماء الماديين يعترفون بأن النظرية ما هي إلا فروض لم تتحقق، ولكن التخلي عن نظرية التطور سيجعلهم يؤمنون بخالق للكون، وهم لا يريدون ذلك، ومن ثم فهم يفضلون اتباع الظن على اتباع الحق، هكذا يقولون.

 

يقول آرثر كيث: "إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميا ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان، ونحن لا نؤمن بها إلا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك هو الإيمان بالخالق الخاص المباشر، وهذا ما لا يمكن حتى التفكير فيه".

 

وهذه هي إرادة الإلحاد، وهذا هو الكبر والتعصب للباطل، فماذا يقال لهؤلاء من برهان وإقناع؟ ثم ماذا يناقشون وقد عرفوا الحق وأعرضوا عنه؟

 

رابعا. الفطرة تتجه إلى الخالق وتؤمن بوجود الله:

 

كل مولود يولد على الفطرة، والفطرة بذاتها تتجه إلى الله عالمة بوجوده - عز وجل - ومؤمنة بأنه إله واحد لا يوجد في الكون كله سواه.

 

كيف تهتدي الفطرة إلى خالقها؟

 

إن الله - سبحانه وتعالى - يخبرنا في كتابه الكريم أنه حين خلق الخلق عرفهم بنفسه، وبأنه - جلت قدرته - هو ربهم الذي خلقهم، والذي ينبغي أن يدينوا له بالعبودية: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} [الأعراف/172].

 

والرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - يخبرنا كذلك: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، ثم تلا قوله عز وجل: {فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} [الروم/30]» [66].

 

والحقيقة أن الفطرة البشرية تتيقظ لوجود الخالق في سن مبكرة جدا، أصغر بكثير مما نظن!

 

فنحن نظن عادة أن الشخص الكبير وحده هو الذي يتفكر في وجود الله - سبحانه وتعالى - وفي وحدانيته، ولكنا إذا لاحظنا حياة الطفل الصغير نجد أنه في مرحلة معينة من عمره يبدأ يسأل والديه أسئلة لا تنتهى:

 

من الذي عمل السماء؟ لماذا كانت السماء زرقاء؟ أين تذهب الشمس في الليل؟ لماذا لا تظهر الشمس لنا في الليل؟ أين يذهب النور حين يأتي الظلام؟ لماذا تلمع النجوم؟ أين تنتهي الأرض؟ لماذا كانت هذه الزهرة ذات رائحة والزهرة الأخرى ليس لها رائحة؟ من أين جئت؟ أين كنت قبل أن أجىء؟... إلخ.

 

فما معنى هذه الأسئلة في الحقيقة وما دلالتها؟

 

إن دلالتها الحقيقية أن فطرة هذا الطفل قد بدأت تستيقظ، بدأت تتعرف على خالق السماوات والأرض من خلال مخلوقاته المشهودة المحسوسة، بدأت رويدا رويدا تتعرف على حقيقة الألوهية التي أشهدها الله عليها منذ خلقها، وبدأ إدراكها لها ينمو كما تنمو البذرة الكامنة في باطن الأرض، حتى تترعرع وتخضر[67].

 

أصل قضية الإلحاد وكيف نشأت:

 

وفي كتابه "الإسلام والعقل" يعرض لنا د. عبد الحليم محمود مسألة الإيمان والإلحاد عرضا رائعا في الفصل السادس تحت عنوان "تأملات في الإيمان والإلحاد" [68].

 

يقول: يخلط كثير من الناس بين التوحيد وإثبات وجود الله، وهما أمران بان - في وضوح - اختلافهما واختلاف موقف الإسلام منهما، إذ إن الإسلام استفاض استفاضة كثيرة في إثبات التوحيد؛ وذلك لأنه حق لا مرية فيه، ويقين لا شك فيه، وقد عمي عنه الوسط الذي كان بجزيرة العرب فأشركوا بالله.

 

أما موقف الإسلام بالنسبة لإثبات وجود الله؛ فإنه مختلف اختلافا كبيرا عن موقفه بالنسبة لإثبات التوحيد.

 

إن القرآن لم يتحدث عن إثبات وجود الله: إن الله في العرف الإسلامي وفي أعراف أصحاب الفطر السليمة موجود، ووجوده لا يتمارى فيه اثنان، ومع ذلك فإن الوضع الحالي في جميع الأجواء الشرقية والغربية، قد ألف نزعة ترى أن إثبات وجود الله مسألة تحتاج إلى برهان، وهذه النزعة الناشئة عن التعود في حاجة ماسة إلى بيان الوضع الصحيح في هذا الموضوع الخطير، ومن أجل ذلك نرى من الواجب علينا معالجة هذا الموضع في شىء من الاستفاضة.

 

يقول الله - سبحانه وتعالى - عن جوهر رسالة نوح - عليه السلام - في العقيدة: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين (25) أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم ((26} [هود]. ويقول - سبحانه وتعالى - عن جوهر رسالة صالح في العقيدة: {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [هود/61]. وعن جوهر رسالة شعيب في العقيدة: {وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [هود/84].

 

وهكذا في رسالة جميع الأنبياء إذ يقول الله تعالى في تعميم مطلق: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء/25].

 

إلام تشير هذه الآيات؟ إنها لا تتحدث عن إثبات وجود الله، وإنما تتحدث عن الشرك، أي الاعتقاد في آلهة كثيرة.

 

ولقد كانت الثورة ضد الشرك وتحطيم الأصنام من المهام الكبرى في الرسالة الإسلامية، حتى إن العالم الكبير أبا الريحان البيروني حينما أخذ يبين الطابع الأصيل لكل دين قال عن الإسلام: "إن الطابع الأصيل للإسلام إنما هو التوحيد".

 

وإذا كان البيروني حينما تحدث عن طابع كل دين، إنما يتحدث عن طابع الأديان في وضعها الراهن، فإنه مما لا شك فيه أن الشرائع - على الرغم مما ذكره البيروني عن سماتها المختلفة - تشترك جميعها في مبدأ التوحيد.

 

وكل نبي بشر بالتوحيد، ولكن الإنسانية كانت تنحرف بالعقيدة بعد موت الرسول من التوحيد إلى الشرك، والشرك إسراف خاطئ في الإيمان، وما كانت الإنسانية تنحرف قط من التوحيد إلى الإلحاد، وما كان للإلحاد وجود قط فيما قبل الحضارة اليونانية القديمة.

 

ونشأ الإلحاد - انحرافا فطريا ودينيا - مع الحضارة اليونانية القديمة، نشأ يجاور الشرك ويجاور التوحيد، لقد كانت هذه الحضارة تشتمل - في العقيدة - على ثلاثة تيارات:

 

1. الشرك: وهو دين الدولة الشائع، وتقاليدها الراسخة، يتمثل في فنها الذي يمثل الشرك في قوة، والذي أثار الإعجاب للإتقان الذي كان يتمثل فيه، والذي ما زال يثير الإعجاب للآن، ويتمثل في أدبها الذي يعكس صورة لعقيدتها، وتاريخ اليونان الفكري والأدبي ملىء بصور الشرك، مفعم بالوثنية، ولكن الشرك في اليونان - كغيره من ألوان الشرك - أعطى للآلهة صورة غير كريمة، بل لقد وصل بها - أحيانا - إلى صورة تنحط عن صورة البشرية الآثمة.

 

أرأيت الآلهة ترتشى وتظلم وتزنى؟

 

لقد كانت هذه بعض صور الآلهة في اليونان القديمة، وهي صور أساغها الإلف والتكرار والعادة، وشب عليها الأطفال والشبان فلم تثر انتباههم أو توقظهم، وفي فترة من فترات هذه الحضارة - فترة القرن الخامس، والرابع، والثالث قبل الميلاد على الخصوص - نشأت مجموعة من العباقرة لا تكاد تحصى، وكأن السماء في هذه الفترة تمطر عباقرة على تفاوت فيما بينهم في الاتجاه وفي المكانة.

 

هؤلاء العباقرة أكثرهم استقر على رفض الشرك، أي رفض الدين الرسمي الشائع للدولة، ولو قدر الله لليونان إذ ذاك دينا صادقا لاستمسكوا به، وما تردت الإنسانية في الأخطاء الكثيرة التي نشأت عن الحضارة اليونانية في عالمها الفكري الذي انفصل عن الوحي لا من اختيار ورغبة، وإنما على أسف شديد لفقدان الوحي والرسالة الصادقة.

 

يدلنا على هذا الأسف، وعلى تقديرهم للوحي، قصة يرويها التاريخ حدثت في عهد سقراط، وهي قصة عميقة في مغزاها كل العمق: جلس سقراط - أبو الفلسفة وأبو الفلاسفة - ومعه اثنان من كبار فلاسفة المدرسة الفيثاغورية المشهورة التي أسسها فيثاغورس الفيلسوف الصوفي الكبير، جلس ثلاثتهم يبحثون في جد واهتمام موضوع مصير الروح بعد الموت: هل الموت هو الخطوة الأخيرة للإنسان ينتهي بعده روحا وجسدا، أو إنه انتقال من حال إلى حال والروح باقية؟ هل الإنسان خالد بجوهره وهو الروح، أو إنه فان جسما وروحا؟ وأجهدهم البحث، وانتهى بهم إلى عدة براهين تثبت خلود الروح، وأنها لا تفنى بفناء الجسم، وسكنوا يستريحون قليلا، ولكنهم في فترة راحتهم أخذوا يتدبرون ما انتهوا إليه، ثم قال أحدهم - نتيجة لتأمله - ولكن المسألة ما زالت في حاجة إلى مزيد من اليقين.

 

ولقد كان ذلك هو ما انتهى إليه الآخرون في تأملهم، وقال أحدهم معقبا على ذلك: "ولكن هذا نهاية شوط العقل". وأسفوا جميعا على أنه لم ينزل وحي، يفصل في هذا الموضوع.

 

ثم أخذ أحدهم يتحدث عن تشبيه دقيق يتعلق بوسيلة العبور في محيط ما وراء الطبيعة، والمحيط المادي إنما يتأتى في أعراف الناس عن طريقين:

 

أحدهما: السفينة يعبر بها الإنسان المحيط آمنا مطمئنا من شاطئ إلى شاطئ.

 

أما الثانية: فإنها لوح من خشب، مصير راكبه الغرق في أغلب الظن.

 

ووسيلة عبور محيط ما وراء الطبيعة هي الوحي، وهو السفينة الآمنة المتينة، والعقل وهو لوح الخشب الذي لا يصل في أغلب الظن إلا إلى غرق راكبه.

 

ولقد كان فلاسفة اليونان في لهفة على أن ينزل عليهم الوحي في جدته ونضرته وصدقه، ولم يقدر لهم ذلك، ورفضوا الشرك، دينهم الرسمي، فما هو البديل؟ إنه لوح الخشب. وركبوه: ركبه سقراط، وركبه أفلاطون، وركبه أرسطو، وركبه من قبل السوفسطائيون[69]، وركبه من بعد أبيقور، وركبه الرواقيون[70]، إلام وصل بهم؟ لقد وصل بهم إلى:

 

2. التوحيد: فيما رأى سقراط وأفلاطون وأرسطو وكثير غيرهم.. وهذا هو التيار الثاني الذي كان في اليونان في عصرها القديم، بيد أن توحيد هؤلاء ليس هو التوحيد كما نزل على لسان الصادقين المعصومين صلوات الله عليهم وسلامه، ولم يمثل توحيد المدرسة السقراطية في جزئياته وفي تفاصيله التوحيد الصادق.

 

3. وأدى بهم في فريق آخر إلى الإلحاد، الإلحاد المطلق، الإنكار لما بعد الطبيعة وللبعث والرسالة، وكان ذلك على لسان "أبيقور" ومن لف لفه في اليونان، ومن قبله أو في زمنه، أو من بعده.

 

لقد فقدوا في منطقهم الميتافيزيقى[71] الاعتماد على الوحي فقادهم ذلك إلى مسالك شتى، ولو كان هناك وحي لقادهم وقاد عقولهم إلى الشاطئ في أمن وسلام.

 

ومنذ هذه اللحظة دخل الإلحاد في العالم مبتدئا من اليونان، وأصبحت مسألة التدين في الجو الفكري المتابع لهذا التيار اليوناني مسألة عقلية لا شأن لها بالوحي، وأخذت تسير في مجراها العقلي العادي.

 

المؤمنون يبرهنون عقليا على إيمانهم، والملحدون يزيفون المنطق برهنة على إلحادهم، لقد أخذت المسألة في هذا الطريق مع أنها شعور وفطرة وبداهة، وما من شك في أنه كان للمؤلفين منطق جميل في الإثبات، نذكر منه شيئا من إثبات سقراط.

 

قال سقراط لصاحبه الذي ينكر وجود الله: أفي الناس من يعجبك براعته في الصنائع؟

 

فقال: نعم، وسمى من الشعراء والمصورين ممن كان يعده أبرع من غيره.

 

فقال سقراط: أيهما عندك أرفع شأنا؟ أمن يصنع التماثيل العارية عن الحركة والعقل، أو من يصور الأشباح الحية المتحركة؟

 

فقال: من يصنع الصور الحية، اللهم إلا إذا كانت تلك الصور من عمل المصادفة والإتقان، لا من عمل العقل.

 

قال سقراط: إذا فرضنا أشياء لا يظهر المقصود منها، وأشياء أخرى بينة القصد والمنفعة، فما قولك في تلك الأشياء؟ وما هي التي عندك من فعل العقل؟ وما هي التي عندك من فعل الإتقان؟

 

قال: لا شك أن ما ظهر قصده ومنفعته من فعل العقل.

 

قال سقراط: أولست ترى أن صانع الإنسان في أول نشأته جعل له آلات الحس لما في تلك الآلات من المنفعة الظاهرة؟ فأعطاه البصر والأذنين ليبصر ويسمع ما يكون لعيشه صادقا، وما فائدة الروائح لو لم تكن لنا الخياشيم؟ وكيف ندرك المطاعم ونفرق بين الحلو والمر، لو لم يكن لنا لسان نذوق به؟ إن بصرنا معرض للآفات.

 

أولست ترى كيف اعتنت القدرة الإلهية بذلك، فجعلت الأجفان كالأبواب لتمنع ما يصيب البصر، وجعلت الأهداب كالمناخل لتقيها من أضرار الرياح؟ وما قولك في آلة السمع، وهي تقبل جميع الأصوات ولا تمتلئ أبدا.

 

أما رأيت الحيوانات، كيف رتبت أسنانها الأمامية، وأعدت لقطع الأشياء فتلقيها إلى الأضراس فتدقها دقا؟ فإذا تأملت في ترتيب ذلك، أيمكنك أن تشك: هل هي من فعل الإتقان أم من فعل العقل؟

 

قال أرسطو ديموس: نعم إذا تفكرنا في ذلك لا نشك في أنها من فعل صانع حكيم كثير العناية بمصنوعاته.

 

ومهما يكن في هذا الاستدلال من جمال، ومهما يكن في استدلال المؤلهين العقليين[72] أمثال أفلاطون وأرسطو وديكارت من قوة، فإنفي المسألة مع ذلك انحرافا مهدت له ظروف اليونان التي فقد فيها الوحي، وهذا الانحراف لم يجد من يصححه.

 

ما الوضع الطبيعي للمسألة؟

 

قص علي صاحب لي قصة هزت شعوري هزا قويا، وأخذت أفكر فيها عدة أيام، وما كنت أتخيل أن يصل صدق الإيمان إلى هذه الدرجة.

 

قال صديقي - وهو سوداني - يحتل مكانة مرموقة في العلم والإيمان: إن في أطراف السودان (قرية صغيرة) تكاد تكون منعزلة لا يكاد يطرق أبوابها غريب، ويسكن (بهذه القرية) رجل صالح يسير في حياته على تقوى من الله، وعلى بصيرة من دينه، عاش هذا الرجل وعالمه - كل عالمه - هو (هذه القرية) التي لم يفارقها قط.

 

لقد تعود فيها على (أناس معينين) وعلى (ألوان محددة)، و(ملابس) لا تكاد تختلف من فرد لآخر، إنه في تصوره الحسي محدود بهذه القرية.

 

وفي يوم من الأيام اقتضت الظروف - في صورة من الحتمية - أن يذهب إلى مدينة بعيدة.

 

وكان هذا في حياته حدثا هائلا، فإنه لا يعرف الطرق، ولا المسالك، ولا كيف يسير، ولا بد من السفر.. فاصطحب معه أحد أبناء القرية ممن لهم دراية بالأمور وسافرا، وعلى مشارف المدينة رأى الرجل الصالح منظرا تعجب له، رأى (ضابطا إنجليزيا)!!

 

ورؤية ضابط إنجليزي في السودان - إذ ذاك - كانت أمرا عاديا، ولكن صاحبنا لم ير هذه الصورة من قبل، وسار تفكيره على النسق التالى: ما لهذا (الكائن) قد (حلق لحيته) على هذه الصورة حتى لكأنه قد "سنفرها" إلى أن أصبحت وكأنها لم تكن.

 

وما له قد كتف نفسه في ملابسه على هذه الصورة، ثم ربط نفسه - أيضا - بحزام في الوسط.

 

وما له.. وما له.. ثم سأل مرافقه: ما هذا؟ فقال مرافقه: هذا (خواجة). ولم تكن هذه الكلمة قد دخلت قاموسه اللغوي، فعاد يسأل: وما خواجة؟

 

فقال صاحبه: (يعني كافر)، وكان هذا مبلغ علم مرافقه، فإذا بالرجل يرتجف قليلا ويضطرب، ويسأل في اهتمام وقلق: (أهو كافر بالله؟). فقال رفيقه: "نعم كافر بالله" فإذا بالرجل الصالح يمتلئ جسمه وشعوره (بالاشمئزاز) من هذا الكافر، فإذا بهذا (الاشمئزاز) يزاد شيئا فشيئا.

 

وفي سرعة سريعة، وصل الاشمئزاز إلى غايته (فتقايأ).

 

وكما يحدث الاشمئزاز من (القاذورات المادية) فإنه يحدث من (القاذورات المعنوية مثل الكفر بالله). والكافر بالله - فيما رأى صاحبنا - إنما هو مجموعة من (القاذورات المعنوية). لا تستحق إلا الاشمئزاز إلى درجة التقايؤ.

 

أما منطقه في هذا الاشمئزاز فهو أن المنكر للجميل تشمئز منه النفس، ويزداد هذا الاشمئزاز ويعظم كلما كان الجميل كبيرا وكان المنكر متبجحا، وإننا إذا نظرنا إلى ما بنا من نعمة فإننا نجدها من الله: {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل/53]، وإذا نظرنا إلى كمية هذه النعم نجد أنها لا تحصى {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} [النحل/18]، فمن أنكر هذه النعم وهي محيطة به، ووصل به إنكاره للجميل إلى درجة الكفر، فإنه يكون قد بلغ في إنكار الجميل منتهاه، فيبلغ الاشمئزاز منه منتهاه.

 

وما كان صاحبنا يفكر في منطق لشعوره، وإذا كنا نحن نلتمس المنطق لهذا الشعور، فإن هذه الظاهرة إنما تعبر أبلغ تعبير عن (صدق الإيمان)، و (صفاء الفطرة).

 

لقد فوجئت حقا بهذه الدرجة من صدق الإيمان، وأخذت أربطها بما سبق أن قرأت من أفكار تتناسق معها، أفكار أثرت في نفسي كثيرا حينما قرأتها.

 

إنها أفكار طائفة من (أعلام الفكر) لم يستعبدها (الإلف الذهنى)، ولا (العادات الفكرية) فيما يتعلق بمسألة الإلحاد والكفر.

 

إن خط (الإلف والعادة) في هذا الموضوع هو أن يذكر المؤمنون الأدلة على وجود الله التي ترجع إلى دلالة الأثر على المؤثر، وهي دلالة قوية، فيحاول (الملحدون) متعسفين الرد عليها.

 

كلا أيها المؤمنون: إن المسألة (أقدس) من أن توضع هذا الوضع، (وأوضح) من أن تحتاج إلى (برهان).

 

يقول الإمام العالم الحجة ابن عطاء الله - رحمه الله -: "وإذا كان (الكائن) من الكائنات من هو غني بوضوحه عن إقامة دليل، (فالمكون) أولى بغناه عن الدليل منها".

 

ويقول:

 

· كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟

 

· أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟

 

· متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟

 

· ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟

 

· كيف يتصور أن يحجبه شىء، وهو الذي أظهر كل شىء؟

 

· كيف يتصور أن يحجبه شىء، وهو الظاهر قبل وجود كل شىء؟

 

· كيف يتصور أن يحجبه شىء، وهو أظهر من كل شىء؟

 

· كيف يتصور أن يحجبه شىء، وهو أقرب إليك من كل شىء؟

 

· كيف يتصور أن يحجبه شىء، ولولاه ما كان وجود شىء؟

 

شتان بين من يستدل به أو يستدل عليه.

 

والمستدل به عرف الحق (لأصله)؛ فأثبت الأمر من (وجود أصله)، و (الاستدلال عليه) من (عدم الوصول إليه). وإلا (فمتى غاب) حتى يستدل عليه؟ (ومتى بعد) حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

 

ويقول الإمام أبو الحسن الشاذلي - رحمه الله -: "ومن أعجب العجب أن تكون الكائنات موصلة إليه، فليت شعري هل لها وجود معه حتى توصل إليه، أو هل لها من الوضوح ما ليس له حتى تكون هي المظهرة له؟"

 

ويقول: "كيف يعرف (بالمعارف) من به (عرفت المعارف)؟ أم كيف يعرف بشىء من سبق وجوده وجود كل شىء؟

 

ويقول أيضا: "إنا لننظر إلى الله ببصائر الإيمان، فأغناها ذلك عن الدليل والبرهان".

 

ويقول - رحمه الله -: "وأرباب الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان؛ لأن أهل الشهود والعيان قدسوا الحق في ظهوره عن أن يحتاج إلى دليل يدل عليه. وكيف يحتاج إلى الدليل من نصب الدليل. وكيف يكون معروفا به وهو المعروف عنه؟"

 

إن محاولة الاستدلال على وجود الله محاولة خاطئة، والسير على النحو الموجود الآن من الجدل في هذا الموضوع "سير منحرف عن الطريق الصواب".

 

خامسا. الآثار المروعة للثقافة الإلحادية تؤكد انحرافها عن صراط الله المستقيم:

 

إننا حين نشرع في عملية المسح لمظاهر الإخفاق الاجتماعي والفردي للثقافة الأوربية، نريد أن نتأكد من الرابطة السببية بين هذه المظاهر - كنتيجة - والثقافة كسبب.

 

هل للثقافة صلة بظواهر مثل: إدمان الخمر، والجذام الجنسي، والأمراض العقلية، والجريمة، والقلق، والملل، وبالاغتراب[73] أو الغربة التي تعاني منها المجتمعات الأوربية والأمريكية؟

 

ماذا يقول فلاسفة أوربا ومفكروها في هذه المسألة(مسألة الإلحاد)؟

 

يقول يونج c. g. Jung العالم النفسي الشهير (1875 - 1961م): "طلب مني أناس كثيرون، من جميع الدول المتحضرة، مشورة لأمراضهم النفسية، في السنوات الثلاثين الأخيرة، ولم تكن مشكلة أحد من هؤلاء المرضى - الذين جاوزوا النصف الأول من حياتهم، وهو ما بعد 35 سنة - إلا الحرمان من العقيدة الدينية. ويمكن أن يقال: إن مرضهم لم يكن إلا أنهم فقدوا الشيء الذي تعطيه الأديان الحاضرة للمؤمنين بها في كل عصر، ولم يشف أحد من هؤلاء المرضى إلا عندما استرجع فكرته الدينية".

 

فما هذا الشيء الذي فقدوه ولم يشرحه يونج؟ الشيء الذي فقدوه، ولم يبينه "يونج" هو الإيمان بوجود الله القوى القادر الذي يتضرع إليه الإنسان في السراء والضراء، ويستصرخه ساعة المحنة، وهو الإيمان بحياة أخرى باقية، يلقى الإنسان فيها الجزاء العادل، ويفوز بالنعيم جزاء عمله، وإن لم يعترف له الناس في هذه الحياة بإحسانه له، أو إتقانه إياه، أو إخلاصه فيه، وهو الأمل في سيادة العدالة الإلهية التي لا يفلت منها طاغية، أو ظالم، أو مخاتل، وهو الإيمان بأن العبد ليس وحيدا في هذه الحياة، وإنما معه ربه الرحمن الرحيم.

 

والإلحاد الذي أنتجته الفلسفة الحسية المادية النفعية يحرم الإنسان من كل هذه النعم، ويدعه بلا أمل ولا أمن، ويقبل الإنسان على الدنيا فيصطدم بالآخرين ويحتدم الصراع، ويتردد الإنسان بين الملل والألم كما يقول شوبنهور - الملل إذا فاز في الصراع وأشبع بطنه وفرجه، والألم من الحرمان إذا انهزم ولم يشبع حاجاته، فالإلحاد يهدم الدين، ولا يعطي الناس شيئا بديلا.

 

ولعل هذا هو ما يفسر لنا مظاهر التعاسة والجريمة، وإدمان الخمر، والانتحار، وطغيان الشعور بالملل والقلق، والغربة النفسية في المجتمعات الملحدة. يقول سبيرو Spiro: "في ظني أن كل حضارة تخلق ضغوطا وأزمات، بعضها عام وبعضها فريد، لا بد للشخصية أن تواجهها، وأن التراث الاجتماعي يزود الإنسان إلى حد كبير أو صغير بأساليب منظمة اجتماعيا للتخفيف من حدتها إن لم يكن لحلها أو التخلص منها، وأن معدل انتشار الباثولوجيا السيكولوجية (أي الأمراض النفسية) في أي مجتمع هو محصلة لا للضغوط التي يخلقها المجتمع فحسب، وإنما للوسائل المنظمة اجتماعيا التي يقدمها التراث الاجتماعي لحل هذه الضغوط والتخلص منها، وأن أولئك الأفراد الذين يعجزون - لسبب من الأسباب - عن حل الضغوط (التي تخلقها الحضارة) بالوسائل (التي تقدمها هذه الحضارة لحلها) يقومون بحلها بأساليب غريبة من العصاب[74] أو الذهان[75]، وأنه بقدر ما تخلق الحضارات المختلفة من أنماط مختلفة من الضغوط نجد أن الأساليب الغريبة لحل هذه الضغوط (من العصاب أو الذهان) تعكس اختلالات حضارية".

 

فكل الحضارات تفرز ضغوطا على الأفراد، وبعض هذه الضغوط مشترك أو متشابه في كل الحضارات، وبعضها نوعي يخص حضارة بعينها أو ثقافة بعينها، والثقافة السائدة في أي مجتمع تقدم للفرد وسائل مشروعة، كالقيم الخلقية والنظم التشريعية، لكي يواجه بها هذه الضغوط، وبقدر نجاح هذه الوسائل وفعاليتها يكون انحسار المرض النفسي والمرض العقلي، والعكس صحيح أيضا؛ وعلى هذا يصح المبدأ القائل بأن تفشي هذه الأمراض دليل على الإخفاق الثقافي.

 

ومعنى هذا أن العلاقة السببية بين الثقافة والأمراض العقلية إنما هي حقيقة علمية.

 

ويؤكد لوبشر Laubscher صحة الرابطة السببية بين الثقافة وظاهرة الانتحار، إذ وجد أن:

 

· نسبة الانتحار بين الإفريقيين في جنوب إفريقيا 1 - 100.000.

 

· وبين البريطانيين 10 - 100.000.

 

· وبين الأمريكيين 11 - 100.000.

 

(سبب تباين النسبة هو تباين الثقافة).

 

ولكي نزيد هذه الحقيقة وضوحا نأخذ مثالا من الحياة الإسلامية، إن الإسلام يحتم على المسلمين العفة وتجنب الفحشاء، وكل ما من شأنه أن يؤدي إليها؛ وهذا المطلب الخلقي يمثل ضغطا على الأفراد، لكن الإسلام يقدم للمسلم الوسائل الخلقية المشروعة لتمكينه من النهوض بواجبات العفة، فهو يبني مجتمعا خاليا من المثيرات الجنسية كالتبرج، كما أنه يحث على الزواج ويسمح بتعدد الزوجات، ويبيح الطلاق؛ وهكذا ييسر للمرء المسلم التزام العفة، دون أن يدفع ثمن ذلك أمراضا نفسية وعقلية.

 

ونأخذ مثالا آخر من الثقافة الأوربية، وهو النزعة "الليبرالية"[76] المتطرفة. لقد أدت فكرة الحرية الفردية، دون ضوابط أخلاقية أو دينية، إلى ذيوع الإباحية والزنا، وتفكك الأسر، وكثرة الأطفال اللقطاء بكل ما تعنيه هذه الظواهر من ضغوط، دون أن تقدم الثقافة الأوربية الوسائل التي تمكن الفرد من مواجهة هذه الضغوط؛ ولهذا انتشرت الوسائل المرضية الشاذة في مواجهتها - أعني بذلك العصاب والذهان.

 

ويؤكد علماء الإيكولوجيا[77] - أو علم البيئة - على وجود هذه العلاقة السببية بين "الثقافة" ومظاهر النجاح أو الإخفاق الفردي والجماعي "فإن الثقافة جزء من عموم البيئة كأشعة الشمس، والحرارة، والمطر، والتضاريس.

 

إن المعتقدات الدينية والفلسفية، والتقاليد الاجتماعية، والمؤسسات السياسية، هي بعض العوامل الكثيرة - غير البيئة المادية والاقتصادية - التي تحدد مصير بني الإنسان؛ فهي تؤثر بطريقة غير مباشرة، ولكنها فعالة وقوية، إنها تسيطر على أسلوب الحياة، وعلى المظهر المادي فيها، وتنعكس على أنماط السلوك، وعبر هذه التأثيرات، وكثير غيرها، يفرض الطابع الخاص لكل ثقافة معينة".

 

وهناك أبحاث ودراسات تخصصية تؤكد العلاقة السببية بين الثقافة وإدمان الخمر مثلا، ففي مؤتمر جامعة "باث" - في إنجلترا عام 1980م أشار أحد البحوث إلى أن المذاهب الاعتقادية Belief system هي أول أسباب الإدمان.

 

وربط مارسيليو ديديه في بحث آخر قدم للمؤتمر نفسه بين الإدمان والثقافة تحت عنوان "وصفة ثقافية للإدمان" وصرح بيتر شيلر بأن الإدمان يمكن أن يعالج بمنهج ثقافي، وقال: ريتشارد سوين: "الظاهر أن العامل الهام هو مبلغ اندماج تناول الخمر - بصورة رسمية - في الحضارة".

 

والدليل على ذلك انحسار تعاطي الخمر لدى اليهود، لمعاداة القيم اليهودية للإدمان، ونظافة المجتمعات الإسلامية منه بسبب تحريم الإسلام له.

 

وقد أدرك الإسلاميون هذه العلاقة السببية بين الثقافة من جهة، وبين صحة الفرد والمجتمع وسلامته نفسيا وروحيا - من جهة أخرى.

 

يقول الشيخ محمد عبده في معرض حديثه عن الأنبياء ورسالاتهم: "والدليل على سلامة شهودهم، وصحة ما يحدثون عنه، أن أمراض القلوب تشفى بدوائهم وأن ضعف العزائم والعقول يتبدل قوة في أممهم التي تأخذ بمقالهم، ومن المنكر في البديهة أن يصدر الصحيح عن معتل، ويستقيم النظام بمختل".

 

فصحة الفرد والجماعة، وسعادتهما، وقوتهما، دليل صدق الرسالات التي جاء الرسل بها، كما أن اختلال الفرد والجماعة وتعاستهما - كما هو الحال في أوربا اليوم - دليل على عطب[78] المبادئ الإلحادية التي تمثل جوهر الثقافة الحسية المادية السائدة فيها.

 

ويكشف المودودي عن الخدعة التي تحجب العلاقة السببية بين الثقافة والإخفاق الفردي والاجتماعي، فيقول: إن العالم المعاصر يشبه الطفل الذي يثق بالمشاهدة الحسية، فيحسب النار لعبة جميلة، وجل ما بينهما من الفرق أن خطأ هذه المشاهدة لا يلبث أن يظهر جليا بالتجربة؛ لأن النار التي يحسبها لعبة ويشرع في اللعب بها تكون ذات لهب، ولا تلبث أن تدل الذي يتناولها بيده أنها ليست بلعبة.

 

وبالعكس من ذلك، فإن خطأ المشاهدة في هذا الطريق - أي المنهج المادي الأوربي - لا يبدو في عشية أو ضحاها، وربما لا يظهر لكثير من الناس طوال حياتهم؛ لأن النار التي يلعبون بها في هذه الحياة الدنيا ليست بحامية، ولا تصيب الذي يلمسها بيده بضرر عاجل، بل يصطلى بها البشر آمادا بعيدة وأحقابا طويلة، وهم لا يحسون بلظاها.

 

إن النتائج السلبية الضارة للإلحاد لا بد أن تحيق[79] بالمجتمعات الملحدة مثلما أن الحرق لا بد أن ينتج عن ملامسة النار، والفارق الوحيد هو تأخر النتائج في الظهور في حالة الإلحاد، وحدوثها الآني في حالة النار. ولربما أضفنا إلى ذلك فارقا آخر هو أن رفع اليد عن النار يوقف الحرق في الحال، وإن استمر الألم بضعة أيام، أما في حالة الإلحاد أو الاختلالات الثقافية بصفة عامة، فمن المستحيل القضاء على السبب بالسرعة نفسها، كما أن من المستحيل تجنب الأضرار والنتائج السلبية لعشرات السنين.

 

فالأخطاء الاعتقادية، مثل الأخطاء العلمية والرياضية، لا بد أن تفضي بالحياة المبنية عليها إلى البوار والإخفاق، ولا بد أن تنتقم الحقيقة لنفسها من كل من يغفلها أو يستهين بها ويسلك في هذه الحياة طريقا مناقضا لمقتضياتها، وإن تأخر الانتقام في حالات وعاجل الناس في حالات أخرى.

 

وهذه أوربا يشهد فلاسفتها ومفكروها بأن السعادة قد ضاعت منها. يقول برتراند راسل: "إن حيوانات عالمنا يغمرها السرور والفرح، على حين كان الناس أجدر من الحيوان بهذه السعادة، ولكنهم محرومون من نعمتها في عالمنا الحديث" ولقد: "أصبح من المستحيل الحصول على هذه النعمة: أي السعادة".

 

لقد ضاعت السعادة، وهي الهدف الأقصى للحياة الأوربية وللأخلاق الأوربية، وذلك على الرغم من كل مظاهر التقدم المادي، لقد ضاع - إذن - كل شىء!

 

فهل بعد هذا إخفاق؟ وهل بعد هذا قنوط؟ وهل فوق هذا انتقام؟ لا أظن.

 

ومن العجيب حقا أن محاولات الإصلاح في الغرب لم تتجه إلى إجراءات ثانوية لا تمس المصدر الثقافي لهذه الاختلالات أو الإخفاقات وذلك على الرغم من كشف عدد من العلماء والفلاسفة للاتجاه الصحيح[80].

 

سادسا. رجوع كثير من الملحدين واعترافهم بوجود الله بعد طول تأمل وثاقب نظر:

 

نتيجة للآثار السلبية المدمرة للكفر والإلحاد، وبعد التفكير العميق والتأمل الطويل، رجع كثير من الماديين إلى فطرته الأصلية واعترف بوجود الله، وأدركوا أن الوجود لا يمكن أن يقتصر على المادة، وأن المعرفة لها مصادر وموضوعات غير حسية وغير مادية، وأن الأخلاق لا يمكن أن تخضع لمعايير المنفعة المادية وحدها، ففي عصرنا هذا حاول إدموند هسرل (1859 - 1938م) إثبات ضرب آخر من الوجود غير الوجود الحسي وغير الوجود الذهني أسماه "الوجود الماهوي"، وتابع نيكولاي مارتن (1882م - 1950م) فلسفة "هسرل" مؤكدا استقلال "الوجود الماهوي" عن الوجود المادي وعن الوجود الذاتي، مع إنكار لوجود الله!! وقوام "الوجود الماهوي" أو "الوجود المثالي" عند هسرل وهارتمن، الحقائق المنطقية والرياضية والقيم الخلقية، فهذه الحقائق والقيم "موجودات مثالية" - لا مادية ولا ذاتية.

 

إن هذه الحقائق وهذه القيم لا تخضع لإرادة الإنسان، إنها تقف في وجه هذه الإرادة وتتمرد عليها، وهذا هو الدليل على وجودها المستقل، أي أن دليل الوجود عند هذه المدرسة هو التمرد على إرادة الإنسان، أوبعبارة أخرى: الموضوعية التي تتسم بها المبادئ العلمية والقيم الخلقية.

 

وبوسعنا أن نضيف إلى هذا برهان ديكارت الوجودي وبراهين كانط المستندة إلى الأخلاق أو الفروض الأخلاقية الأساسية التي أثبتا بها وجود الله.

 

بل إن الفلسفة الوجودية المشهورة بإلحادها لم تخل من التيار الدينى؛ فاتجاه كركجارد وكارل ياسبرز الديني معروف في تاريخ الفلسفة المعاصرة، فكلاهما يبقي على الديانة النصرانية وسط ضجيج المادية والإلحاد.

 

وفضلا عن هذا فإن مقاومة النزعة المادية جاءت - أيضا - من بعض رواد العلم التجريبي نفسه؛ فالعلماء التجريبيون، في مجالات الفيزياء والكيمياء والأحياء، وغيرها، انقسموا من حيث مذهبهم الوجودي إلى ماديين وغير ماديين، وإن كانت الأغلبية الساحقة تتبع المادية الحسية، وتصر على رفض كل شىء لا يخضع للتجربة والملاحظة، بما في ذلك الإيمان بالله.

 

فهذا ألكسيس كاريل يقرر بوضوح أن النزعة المادية هي سبب الشر والخطأ والقصور في الثقافة الأوربية، وأن الخلاص من المادية هو الطريق القويم لتصحيح كل الأخطاء والانحرافات، وإحداث التغييرات الجذرية الكبرى المطلوبة في الحياة الأوربية، ويدرك كاريل أن المادية المسيطرة سوف تقاوم اتجاهه بكل قوة، فيقول: "ولما كان من الواضح أن تحرير الإنسان من المذهب المادي سوف يقلب أغلب جوانب حياتنا، فإن المجتمع العصري (المادي) سوف يعارض بكل قوته هذا التقدم في آرائنا".

 

ويدعو كاريل إلى أن يسير الإنسان قدما في طريق الدين، وأن يحاول أن يعرف الله، أو بتعبيره هو، أن يحاول فهم الإنسان أو المصدر الغيبي غير المنظور لهذا العالم. ولا يلجأ كاريل إلى إيراد البراهين العقلية على وجود الله، ويقول: إن "الشخص المتجرد من حب متاع الدنيا يمكنه أن يشعر بوجود الله كما يشعر بحرارة الشمس، أو بعطف أحد الأصدقاء عليه".

 

ويؤمن كاريل بأن عبادة الله يمكن أن تشفي المرضى على نحو معجز، ويذكر أن دراسات عن الشفاء الإعجازي عن طريق الصلاة قد بدأت في الولايات المتحدة، وإن كانت الصلاة أسمى من أن يفهمها الفلاسفة والعلماء؛ لأنها: "سمو لا يدركه العقل، إنها استغراق الشعور في تأمله لمبدأ يخترق عالمنا، ويسمو عليه".

 

ويؤيد كاريل الاتجاهات المعاصرة لدراسة ما وراء الطبيعة، أو الميتافيزيقا، أو الوجود غير المادي، ويعيد إلى الميتافيزيقا الثقة حين يقرر أنها مثل الفسيولوجيا[81] وعلم النفس، وإن كانت مجالا لتعدد الآراء والمذاهب. وهو بهذا يتصدى لمزاعم كثيرة روجت لها الفلسفات المادية والوضعية والعقلانية[82].

 

والملاحظ أنه كلما اتسع نطاق العلوم وانكشفت دقائق الطبيعة وأسرارها فقدت فلسفة الماديين والملحدين مكانتها، وها هم كبار رجال العلم على مستوى العالم يعتقدون جميعا، ويؤمنون بقوة خارقة مدركة متعالية عن إدراك البشر، أو يعتقدون أن للخلق سرا لا يمكنهم إدراكه.

 

ومن هؤلاء: نيوتن، وهو من كبار علماء الفلك والرياضيات، وباستير، عالم الطب ومنشىء علم البكتريولوجيا [83]، ولاباس، أحد كبار الرياضيين والفلكيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

 

يقول أحد العلماء، وهو كميل فلاماريون في كتابه "الله في الطبيعة":

 

إذا انتقلنا من ساحة المحسوسات إلى الروحانيات، فإن الله يتجلى لنا بمفهوم روح دائم موجود في حقيقة كل شىء، ليس سلطانا يحكم من فوق السماوات، بل هو نظام مستتر مهيمن على كافة الموجودات، وليس مقيما في جنة مكتظة بالصلحاء والملائكة، بل إن الفضاء اللانهائي مملوء به، فهو موجود مستقر في كل نقطة من الفضاء، وفي كل لحظة من الزمان.

 

وبتعبير أصح هو قيوم لا نهائي منزه عن المكان والزمان، والتسلسل والتعاقب. وهذا من النتائج القاطعة التي استنبطت من تلك القواعد الثابتة للعلم كنسبية الحركة وقدم القوانين.

 

إن النظام العام الحاكم في الطبيعة يدل على أن القدرة المطلقة الإلهية هي الحافظة المستترة للكون، وهي النظام الحقيقي، هي المصدر الأصلي لكافة القوانين الطبيعية وأشكالها ومظاهرها.

 

أما لابلاس فبعد أن درس المجموعة الشمسية يقول: "إن النظام المحير للعقول المشاهد في حركات الأجرام التي تتألف منها المجموعة الشمسية لا يمكن أن يحمل على التصادف، بل التصادف كلمة لا يصح النطق بها في لغة العلم.

 

إن التصادف معدوم ومحال في هذا العالم الذي نرى فيه كل شىء خاضعا لقوانين الموازنة وقوانين الحساب التي عينتها إرادة غيبية وحكمة بالغة"[84].

 

إن مجموعة كبيرة من العلماء والأدباء، والفلاسفة الأوربيين، وغير الأوربيين، تحذر من مغبة السير على الخطوط الثقافية الأوربية وتنقذ أصول هذه الثقافة وفروعها، وتبذل قصارى جهدها للكشف عن أفكار ومبادئ ثقافية جديدة. ونريد الآن أن نعرض نماذج من آراء هؤلاء الغربيين وتحذيراتهم فهذه التحذيرات تمثل تقويما إجماليا لثقافتهم.

 

ونبدأ برأي جون ستيورات مل (1806م - 1873م) الفيلسوف الإنجليزي المشهور، صاحب المذهب النفعي في الأخلاق، وأحد أنصار النزعة الليبرالية الكبار، يأخذ مل على النظريات الأوربية في الإنسان ضيق أفقها الذي أفضى بها إلى: "فهم جزء من الحقيقة على أنه الحقيقة كلها".

 

ويقول مل في نقده لهذه النظريات: "إنها كانت مصيبة في ما أثبتت، مخطئة في ما أنكرت". يريد بذلك أنها حين اعترفت بالجانب المادي، أو الاقتصادي، أو الاجتماعي في حياة الإنسان، كانت على حق، ولكن إنكار الجوانب الأخرى، لحساب جانب واحد كان خطأ.

 

وهذا هو أحد العيوب الأساسية في الفلسفات الأوربية الحديثة والمعاصرة، أعنى: عجزها عن النظر إلى الحياة الإنسانية نظرة شاملة فزعمت أيديولوجية[85] فرويد - مثلا - أن السعادة الإنسانية ترتهن بالحياة الجنسية الخالية من الكبت في حين اقتنع ماركس بأن الاقتصاد هو مركز الوجود.

 

هذه النزعة التجزيئية المتطرفة هي الخاصية المشتركة للفلسفة الحديثة.

 

إن جانبا واحدا من جوانب الحياة الإنسانية ينتزع من سياقه الصحيح، ويبالغ في أهميته مبالغة تتجاوز كل الحدود المعقولة، فهم - بعبارة أخرى: يتصورون الجزء - خطأ - على أنه الكل".

 

وهكذا نرى أن الخلل الأساسي في الموقف الأوربي هو خلل ثقافي، بل في قلب الثقافة وجوهرها، ألا وهو النظرة في الإنسان، ويقول بيتريم سوروكين Pitirim A. Sorokin[86]: "إن كل جانب من حياة المجتمع الأوربي مريض وعقله مريض، ولا تكاد توجد نقطة صغيرة واحدة على جسده إلا ويعتورها الألم، ولقد اضطرب جهازه العصبي بجميع أليافه العصبية، فلم يعد قادرا على أداء عمله على النحو السديد. ويبدو أننا نعيش بين عهدين: عهد ثقافتنا الحسية المحتضرة - ثقافة ماضينا المجيد، وعهد الثقافة المثالية المقبلة في الغد الخلاق؛ إننا نعيش ونفكر، ونعمل في اللحظات الأخيرة من عهد حسي مشرق امتد ستمائة عام، ولا تزال أشعة الشمس الماثلة تبرز أمجاد عهدنا الماضي، ولكن الضياء يذوي، وفي الظلام المتكاثف يعسر أن نرى بوضوح، وأن نقود أنفسنا في أمان عبر لحظات الاضطراب عند الغسق.

 

إن ليل فترة الانتقال بدأ يلوح أمام أعيننا تصحبه كوابيسه المزعجة، وظلامه المخيف، ورعبه الذي يزلزل القلوب، وعلى الرغم من ذلك يلوح لنا - من وراء ذلك الليل - فجر ثقافة مثالية جديدة عظيمة، ربما يتلبث هناك لكي يحيي إنسان المستقبل".

 

فالمجتمع الغربي في أزمة شاملة، والمرض تفشى في جسده وعقله، في حضارته وثقافته، في سلوكه وفي فكره، إن ثقافته الحسية تحتضر وتموت، والأمل يراود سوروكين في بزوغ فجر ثقافة "مثالية" جديدة، وتعيش أوربا اليوم في عتمة، وتضطرب خطواتها، ويحل عليها ليل فترة الانتقال "من ثقافة الحس إلى ثقافة الفكر" بظلامه وكوابيسه المزعجة.

 

ويرى هارولد تيتوس Harold H. Titus أن نظرة الأوربيين إلى الإنسان تنطوي على خطأ قاتل، والدليل على ذلك هو مسيرة الأحداث في العقود الأخيرة من هذا القرن: "لقد فاز الإنسان بقوى جديدة كبرى، في مجالات العلم والتكنولوجيا، غير أن هذه القوى استخدمت لأغراض التدمير بكثرة زائدة، ولقد مدد الإنسان بسرعة نطاق معرفته وجود نوعيتها، غير أنه لم يتقدم نحو السعادة وخفض العيش إلا قليلا، هذا إذا كان قد تقدم في هذا الاتجاه على الإطلاق، ولقد صمم الإنسان المخططات وأنشأ المؤسسات العديدة ليفوز بمزيد من الأمن والراحة، ومع ذلك فهو يعاني من الخوف العقلي والوجداني، فيما يتصل بمعنى الحياة وطبيعة العالم الذي يعيش فيه ونوع الحياة التي يريد أن يحياها مع إخوته من بني البشر".

 

فثمة إذًا خطأ جسيم في بناء الثقافة الأوربية ألا وهو نظرتها إلى الإنسان وحياته، ومكانته في هذا العالم، والأحداث الواقعية في الحياة الأوربية والأمريكية تبرهن على وجود هذا الخطأ المميت. فقوة العلم تستخدم لإبادة البشر "60 مليون قتيل في الحرب العالمية الثانية" وتدمير المدن، والتقدم العقلي والعلمي والصناعي لم يقرب الأوربيين من مثلهم الأعلى وهو السعادة، وإذا كانت الراحة البدنية قد تحققت فإن خوف الأوربيين من أن يكونوا قد فهموا معنى الحياة خطأ هو خوف ملازم لعقولهم، إنهم ليسوا على يقين من صحة مفاهيمهم، وهذا هو الخلل الجذري في موقفهم الراهن تجاه الإنسان والحياة الإنسانية، وهو خلل ثقافي دون ريب.

 

صفوة القول إذن أن قوة العلم قد سخرت لإبادة الإنسان نفسه، ومعرفته المتنامية أبعدته عن السعادة وعن فهم نفسه وحياته، وهذا هو التناقض عينه، ويقرر العالم البيولوجي كونكلين E. g-Conklin في كتابه "Man, Real and Ideal" الإنسان، الواقع والمثال" أن "الجنس البشري الآن في أشد أزمة مر بها في تاريخه الطويل".

 

ويقول نوثروب F. S. C. Nothrop - وهو عالم اجتماع -: "إن عالمنا هذا عالم متناقض، فالمنجزات التي تمثل أمجاده هي التي تهدده بالدمار، ويبدو أننا كلما تقدمنا في الحضارة، فقدنا القدرة على الحفاظ عليها".

 

يشير بذلك إلى الحقيقة القائلة بأن تاريخ التطور العلمي والحضاري في أوربا هو في الوقت نفسه تاريخ تطور القدرة على التدمير والتخريب والإفناء، والعلة من وراء هذا التناقض في عالمنا المعاصر - وهو عالم أوربي غربي أو مغرب - تتمثل في عطب أصاب الثقافة الأوربية، فهي قد ركزت جهودها للكشف عن مصادر القوة، دون أن تعني بإيجاد الضوابط أو الكوابح الأخلاقية التي تضمن إخضاعها للأهداف الإنسانية.

 

وأما برتراند رسل (1872م - 1970م) الفيلسوف والرياضي الإنجليزي فقد أفزعته إلى أبعد الحدود مظاهر التدمير والتخريب والقتل التي عمرت بها الحرب العالمية الثانية، وما أحدثه هتلر وموسوليني فيها من أساليب وحشية، فقال رسل: "إن وصف الإنسان بأنه وحش ظلم للوحوش، إن مركبا من الذكاء العلمي، شر إبليس هو الذي تمثل في قادة الدولتين الأوربيتين ألمانيا وإيطاليا، ملأ أوربا بالرعب والفزع والخوف الذي لا نظير له، ولقد تخيل الإنسان جهنم في الماضي، ولكنه جسد ذلك الخيال في وقائع في أوربا في العصر الحديث".

 

فهذا هو الإنسان وهذه هي الإنسانية التي أنضجتها الثقافة الأوربية، لقد تحول الإنسان الأوربي إلى وحش، وليس في الحرب فقط، كما ذكر برتراند رسل، "ولكن في الاستعمار، ومعاملة الشعوب الملونة، في آسيا وإفريقيا وأمريكا، ولا يزال إلى اليوم عاجزا عن الكف عن استغلالها وظلمها ونهبها.

 

ويدعو ألكسيس كاريل (1873م - 1944م) إلى إحداث تغييرات جذرية في المبادئ والاهتمامات والاتجاهات الأساسية للثقافة الأوربية المعاصرة، بحيث تمتد اهتماماتها العلمية والفكرية لتشمل الإنسان من جميع جوانبه، بدلا من التركيز على جسمه وإهمال روحه وأخلاقه، أو الانصراف إلى علوم الجماد والحيوان علىحساب علوم الإنسان الروحية والعقلية، والأخلاقية والجمالية.

 

وينادي كاريل بضرورة: "قلب الحضارة الصناعية، وظهور فكرة أخرى للتقدم البشرى". ويقول: "إن من الواجب أن يحول اهتمام البشرية من الآلات وعالم الجماد إلى جسم الإنسان وروحه، إلى العمليات العقلية والعضوية التي ابتدعت الآلات، وابتدعت دنيا نيوتن وآينشتين".

 

ويتهم كاريل النزعة المادية، والصناعية الطاغية في الثقافة الغربية بتحطيم "الثقافة والجمال والأخلاق"، كما يتهم التعليم العلمي التجريبي بأنه السبب في ذيوع الغباء وبلادة الذهن، ويصور كاريل الأصداء الاجتماعية للانحراف الثقافي فيقول: "إن الشرطة في المجتمعات الغربية أصبحت هي التي تحمي المجرمين، وأصبح الأثرياء ينعمون بكل الحقوق، ويستطيعون اقتراف كل الرذائل الخلقية دون أن يفقدوا احترام الناس.

 

وكلنا يعلم أن كتاب كاريل: "الإنسان ذلك المجهول" إنما هو حملة علمية ضد التوجهات الثقافية والاجتماعية والفلسفية الأوربية، ودعوة قوية إلى إحداث تغيرات أساسية، وقلب الأوضاع الخاطئة، وإيجاد ثقافة جديدة أو فكر جديد، وأهداف وغايات إنسانية جديدة لأوربا وأمريكا.

 

وتردد أصداء هذه الصرخة على لسان عالم آخر أمريكي من أصل فرنسي أيضا، مثل كاريل تماما، وهو حائز على جائزة نوبل في العلوم لعام 1976م، بالاشتراك مع عالم آخر، هذا العالم هو رينيه دوبو الذي نادى بثورة فكرية وشعورية، يكون هدفها إنشاء معتقدات إيجابية جديدة وأخلاق اجتماعية جديدة، ودين جديد، ويرى أن هذا العمل يحتاج إلى جهد جماعي وإيمان موحد، لكن هذا الإيمان غير موجود، ولهذا فإنه يرى أن أهم الواجبات الملقاة على الأمريكيين والأوربيين اليوم هو: البحث عن معنى لحياتهم. أي عن الإيمان بهدف كبير لحياتهم يجعل لهذه الحياة معنى.

 

ويرجع دوبو القول بأن البشرية سوف تدمر نفسها بنفسها، والترسانات النووية جاهزة لدى المعسكرين المتناحرين لإنجاز هذا الهدف على أكمل وجه، وحتى لو لم يقع الدمار الشامل فإن دوبو يرجح تخلى البشرية عن قيم المدنية الغربية؛ إن الوجود الإنساني مهدد بالأسلحة النووية، وتلوث البيئة، ونفاد الطاقة وما يعنيه من انعدام التيار الكهربائي، ثم فساد الأخلاق والآداب، وهناك تهديد آخر يتمثل في نمو التشديد في القوانين الخانقة للمجتمع الإنساني، وضياع حرمة المنزل الأمر الذي قد يؤدي إلى استحالة الحياة المتحضرة.

 

ويعدد دوبو مظاهر الإخفاق في الحياة الأمريكية والأوربية فيذكر ضمن قائمة المشكلات الطويلة: المشكلة العنصرية، والعزلة، والقلق، والغربة النفسية، وقبح المدن والحواضر الكبرى، وألوان المظالم الفردية والطبقية والدولية، والجنون العام الذي يسبب تهديدا دائما بالحرب النووية.

 

ويضيف إلى ذلك: اضطراب وسائل النقل والتركيز الزائد على الراحة البدنية والمادية، وذيوع الأنانية، وافتقاد السلوك الاجتماعي والتضحية "بالكيف" في مجالات التربية والإنتاج، وذيوع الرغبة في امتلاك القوة عن طريق العدوان، وجمع المال بالطرق العدوانية وغير المشروعة وتدمير الجمال الطبيعي، واغتصاب البيئة "كأننا الجيل الأخير الذي يعيش على ظهر هذه الأرض"، هكذا يقول دوبو في حسرة وألم.

 

وأما المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي فيبدو متحفظا كطابع قومه"الأنجلو ساكسون" كما يتحلى كلامه بنبرة من التفاؤل حين يتعرض لتقويم الثقافة الغربية، فهو يرى أن قصور الطاقة الإبداعية لدى الأقلية الزائدة هو سبب انهيار الحضارات، ويقول: إن أوربا لاتزال تملك هذه الطاقة الإبداعية، ومن ثم الأمل في استمرار الحضارة الغربية.

 

وعلى الرغم من نبرة التفاؤل هذه فإن توينبي يقرر أن عصر اضطرابات الحضارة الغربية قد أناخ[87] - بلا مراء - بكلكله[88] على الغربيين، وعصر الاضطرابات بحسب نظرية توينبي هو المرحلة الأولى لانهيار الحضارة، ثم تتلوها مرحلة الدولة العالمية، ثم الانهيار. ومعنى هذا أن الحضارة الغربية لا تزال تأمل في الحياة بضعة قرون.

 

و توينبي - مع ذلك - لا يستطيع أن يخفي سخطه وحمقه على الفراغ الروحي: "الذي خلقناه بأيدينا، فراغ يتمثل في ترحيبنا بروح إفريقيا الاستوائية في الموسيقى والرقص، وفي إبرام محالفة - غير مقدسة - بين فن النحت وبين روح بيزنطية كاذبة يبدو أثرها في التصوير والنقش البارز، وقد حطت تلك التأثيرات على بيت ألفته خاليا ومزينا". (يعني أوربا).

 

ولا تمت مظاهر هذا الانحدار - في جوهرها - إلى الفن لكنها روحانية الطابع؛ فإحلال الفنون الإفريقية محل الفنون الأوربية - في أوربا نفسها - إنما هو في رأيه: "نتيجة نوع من الانهيار الروحاني في حضارتنا الغربية". أي في الثقافة الأوربية نفسها "فكلمة حضارة هنا لا يمكن أن تعني إلا الثقافة" إذن أوربا تعاني من الفراغ الروحي أو الانهيار الروحي، الأمر الذي حمل الأوربيين على اقتباس الفنون الإفريقية، فنون المستعمرات الأوربية السابقة، فنون الزنوج الذين يصنفون طبقا للعنصرية الأمريكية والأوربية في أدنى درجات البشر.

 

وهذا رجاء جارودي، الذي وجد خلاصه الروحي في اعتناق الإسلام، يقرر أن "الحضارة الغربية تمضي بالعالم إلى الهاوية بما أنتجته من آلات واختراعات تملأ حياتنا وتغزونا من كل جانب وتشوش تصورنا"، ويضيف: "لا بد من تأمل مستقل في المسار التاريخي لتطور الحضارة الغربية، وما آلت إليه"، والهدف من وراء ذلك بطبيعة الحال هو تغيير مسارها الخطر إلى أهداف إنسانية صحيحة.

 

إن العلوم الأوربية أدت إلى تدمير ستين مليون إنسان منذ الحرب العالمية الثانية وقنبلة هيروشيما؛ وإذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه فإننا سنواجه أضعاف أضعاف ما عشناه ويلات وكوارث".

 

ولا تزال الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ودول أوربا الغنية تنفق بسرف وبذخ على التسليح في حين تضن بمعوناتها على الأطفال الجياع في العالم، بل إن الولايات المتحدة تلقى بالكثير من إنتاجها الزراعي في البحر، وتشجع المزارعين على عدم زراعة أراضيهم، في حين يخيم شبح الجوع على ربع أطفال العالم النامي، ويموت بسبب الجوع وسوء التغذية والعلاج أربعون ألف طفل كل يوم، في عالم يملك وسائل إيقاف ذلك، وهذه وصمة عار للثقافة السائدة.

 

ويقول مكتب الأمم المتحدة للأطفال: إن 260 مليون نسمة في 24 دولة يعانون آلام الجوع، وإن 100 مليون طفل ينامون جائعين كل ليلة. والدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية مسئولة مسئولية مباشرة عن هذه المصائب؛ لأنها هي السبب في التوتر الدولي وإشعال الحروب والنزاعات الإقليمية من أجل تسويق السلاح وتوسيع مناطق النفوذ، ثم إنها هي السبب في فقر الكثير من دول إفريقيا وآسيا التي نهبتها أيام الاستعمار لصالح تنمية الدول الأوربية، ولصالح إعمار القارة الأمريكية بسواعد العبيد المجلوبين من إفريقيا.

 

وفى ختام ردنا على فكر الملحدين وشبهاتهم نقول:

 

الإيمان بوجود الله فيه سعادة الفرد والمجتمع، فالثقافة الإسلامية هي التي تبني نظاما أخلاقيا دينيا ثابتا مطلقا، قوامه الإيمان بثواب الله الأخروي، وجوهره الإيثار الذي يتمثل في تقديم حظ الآخرين على حظ النفس بدرجة أو بأخرى؛ طلبا للفوز بالسعادة الأخروية.

 

ويقول جمال الدين الأفغانى: "وأما الاعتقاد بالألوهية وبيوم الجزاء، وفحواه الإيمان بأن للعالم صانعا عالما بكل شىء، وسامي القدرة، وأنه قدر للخير والشر جزاء يوفاه مستحقه في الدار الآخرة، فهذه العقيدة هي الوحيدة التي تقمع الشهوة، وتردع الهوى، فهذان الاعتقادان هما وسيلة إحقاق الحق، والتوقف عن الشرود في السر والعلن.. وذلك أن العلة الغائية لأعمال الإنسان هي نفسه، فإذا لم يؤمن بأن هناك ثوابا وعقابا، فلا يوجد ما يحمله على تحمل الفضائل والابتعاد عن الرذائل، وخصوصا إذا كان في مأمن من الناس.

 

وإن النظر في الحالة الدينية للبلاد التي يشيع فيها الإلحاد يبدي أن القيم الإيمانية قد نحيت رأسا عن إدارة الحياة وعن التكوين النفسي للأفراد؛ فلذلك اجتالتهم المذاهب الإلحادية باسم العلم عن حقائق الدين الكبيرة، وذلك قصاراه أن يعطي معنى أن الدين قد غيب عن الحياة، أو أن الدين المعين لا يرضى الضمير الإنساني والمدارك السوية، فأما الإسلام فهو بمعزل عن هذه التيارات، وبلاده أقل البقاع في ظهور مثل هذه المذاهب.

 

وما يعقلها إلا العالمون وما يتذكر إلا أولو الألباب

 

 

 

 

[1]. الملحدون: جمع ملحد، وهو الذي ينكر الألوهية ويرفض أدلتها.

 

[2]. الماديون: جمع مادي، وهو الذي يرجع كل شيء إلى المادة؛ أي: صاحب نظرية مادية للأمور.

 

[3]. المبثوثة: المنتشرة.

 

[4]. تضاعيف الكون: نواحيه وأرجاؤه.

 

[5]. الأكسجين: عنصر غازي من عناصر الهواء، عديم اللون والطعم والرائحة، يكون خمس الهواء الجوي، يعد أساس التأكسد والاحتراق وضروريا لتنفس الإنسان والحيوان.

 

[6]. الخلية: وحدة بناء الأحياء من نبات أو حيوان، صغيرة الحجم لا ترى بالعين المجردة، وتتألف المادة الحية للخلية ـ وهي البروتوبلازم ـ من النواة والسيتوبلازم وغشاء بلازمي يحيط بها، ويحيط بالخلية النباتية كذلك جدار خلوي يتكون من السليلوز.

 

[7]. الأيدروجين أو الهيدروجين: غاز عديم اللون والطعم والرائحة، وهو أخف العناصر، يتحد مع الأوكسجين بنسبة خاصة فيكون الماء.

 

[8]. النواة: جزء الذرة الجوهري الذي تدور حوله الإلكترونات، ويتألف من بروتونات ونيوتورنات، والجمع نويات ونوى.

 

[9]. البروتون: أحد الجسيمات الأساسية التي تدخل في تركيب النواة، وشحنته موجبة.

 

[10]. التقريع: التعنيف والتوبيخ.

 

[11]. المخمل: القطيفة، نسيج له وبر.

 

[12]. من طريف ما يروى أن الدولة غضبت على جاجارين بسبب هذا التصريح، وأمرته أن يضيف إليه ما ينفيه فقال: ".. فبحثت عن الله فلم أجده"! ونشرت الصحف تصحيحه الثاني بعد الأول بساعات!!

 

[13]. الناكل: الضعيف، الجبان.

 

[14]. هكذا يقول دارون، فيقر بالقدرة الإلهية، ولكنه لا ينسبها إلى الله!

 

[15]. ركائز الإيمان، محمد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط1، 1422هـ/ 2001م، ص43: 58.

 

[16]. العقيدة الإسلامية في مواجهة التيارات الإلحادية، فرج الله عبد الباري، دار الآفاق العربية، القاهرة، ط1، 2004م، ص50: 53.

 

[17]. النطفة: خلية جنسية ذكرية موجودة في المني.

 

[18]. العلقة: قطعة من دم غليظ جامد.

 

[19]. المضغة: العلقة التي خلق الإنسان منها إذا صارت لحمة.

 

[20]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله عز وجل: ) وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ( (الروم: ٢٧) (3018)، وفي مواضع أخرى.

 

[21]. الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، الباقلاني، طبعة الخانجي، القاهرة،1963م، ص30، 31.

 

[22]. نهاية الأقدام في علم الكلام، الشهرستاني، تحقيق: أحمد فريد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2004م، ص124، 125.

 

[23]. الجواهر: جمع الجوهر، وهو حقيقة الشيء وذاته، أو أصله ومادته، وهو ما قام بنفسه، ويقابله العرض، وهو: مايقوم بغيره.

 

[24]. الوحدانية، د. بركات دويدار، دار الآفاق، العربية، القاهرة، ط1، د. ت، ص349، 350.

 

[25]. المعتزلة: فرقة من الفلاسفة المسلمين، تعد أول مذهب في علم الكلام الإسلامي، اعتمدت على المنطق والقياس في مناقشة القضايا الكلامية، نشأت في البصرة في أواخر القرن الأول الهجري، ويرجع اسمها إلى اعتزال واصل بن عطاء حلقة الحسن البصري حينما سئل الحسن عن مسألة مرتكب الكبيرة.

 

[26]. الأشاعرة: فرقة من المتكلمين ينتسبون إلى مؤسسها أبي الحسن الأشعري، تقوم على أساس من التوسط بين السلف والمعتزلة، يخالفون المعتزلة في بعض آدائهم، ويقولون إن معرفة الله بالعقل تحصل، وبالسمع تجب.

 

[27]. الماتريدية: فرقة من فرق علم الكلام السني، تنسب لشيخها أبي منصور الماتريدي، التزمت في ردها على المخالفين وعرضها للقضايا بمنهج التوسط بين العقل والنقل.

 

[28]. انظر: الأسس المنهجية لبناء العقيدة الإسلامية، د. يحيى هاشم، دار الفكر العربي، القاهرة، 1978م، ص35.

 

[29]. العقيدة الإسلامية في مواجهة التيارات الإلحادية، فرج الله عبد الباري، دار الآفاق العربية، القاهرة، ط1، 2004م ، ص53: 55.

 

[30]. الدهرية: فرقة مادية ظهرت في العهد العباسي جحدت الصانع المدبر، وقالت بقدم الدهر، وبأن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه، كما أنكرت أي شيء لا يمكن إدراكه بالحواس.

 

[31]. الطبيعيون: هم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة، وأكثروا الخوض في علم تشريح الحيوان، فرأوا فيها عجائب صنع الله ـ عز وجل ـ وبدائع حكمته مما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم، إلا أنهم لكثرة بحثهم عن الطبيعة ظهر عندهم ـ لاعتدال المزاج ـ تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان به، فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضا، وإنها تبطل ببطلان مزاجه فينعدم، ثم إذا انعدم فلا يعقل إعادة المعدوم كما زعموا، فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود، فجحدوا الآخرة، وأنكروا الجنة والنار، والحشر والنشر، والقيامة والثواب، فلم يبق عندهم للطاعة ثواب، ولا للمعصية عقاب.

 

[32]. الماركسية: مذهب نظري يدعو إلى إلغاء حق الفرد في التملك ويدعو إلى الملكية العامة للشعب.

 

[33]. الدور: توقف كل من الشيئين على الآخر في المنطق.

 

[34]. الأزلية: مصدر صناعي من أزل: دوام لا بدء له، وأما أزلية العالم فهو مذهب فلسفي يقول بأن العالم لا علة لوجوده فهو قديم.

 

[35]. علم الطبيعة: علم يبحث عن طبائع المادة وصورها من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة، ومعرفة قوانين تبدلها من حيث الصلابة والسيولة والغازية.

 

[36]. الجزيئات: جمع جزيء، وهو أصغر جزء مستقل من المادة يمكن أن يوجد منفردا، وتظهر فيه خواص المادة وصفاتها، ويتركب من عدة ذرات.

 

[37]. العقيدة الإسلامية في مواجهة التيارات الإلحادية، فرج الله عبد الباري، دار الآفاق العربية، القاهرة، ط1، 2004م ، ص56: 72.

 

[38]. العقيدة الإسلامية في مواجهة التيارات الإلحادية، فرج الله عبد الباري، دار الآفاق العربية، القاهرة، ط1، 2004م، ص73، 74.

 

[39]. العقيدة الإسلامية في مواجهة التيارات الإلحادية، فرج الله عبد الباري، دار الآفاق العربية، القاهرة، ط1، 2004م، ص74: 76.

 

[40]. العقيدة الإسلامية في مواجهة التيارات الإلحادية، فرج الله عبد الباري، دار الآفاق العربية، القاهرة، ط1، 2004م، ص77: 96 بتصرف.

 

[41]. اتفاقا: مصادفة.

 

[42]. الأزوت: غاز شفاف لا لون له ولا رائحة ولا طعم، يعتبر من أهم العناصر الطبيعية الحياتية، وهو أكثر غازات الهواء مقدارا، يدخل في تركيب المواد البروتينية والأنسجة الحية الحيوانية والنباتية.

 

[43]. البيولوجيا: علم عام يشمل علم الأحياء الحيوانية وعلم الأحياء النباتية.

 

[44]. أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (10/ 234) برقم (4007).

 

[45]. الفهرنهيت: مقياس لدرجة الحرارة.

 

[46]. التنور: الفرن الذي يخبز فيه.

 

[47]. المد: ارتفاع ماء البحر على الشاطئ وامتداده إلى البر، عكسه الجزر.

 

[48]. تتبارى: تتسابق.

 

[49]. المجرات: جمع مجرة، وهي مجموعة كبيرة من النجوم، بالإضافة على غازات وغبار، تتراءى من الأرض كوشاح أبيض يعترض السماء.

 

[50]. الشبكية: غشاء عصبي مبطن لقاع العين، وهو الذي يستقبل المرئيات.

 

[51]. المخروط البصري: تركيب دقيق في الشبكية مسئول عن الضوء والرؤية.

 

[52]. العصب البصري: العصب الذي ينقل الإثارة البصرية من العين إلى جذع الدماغ.

 

[53]. المكين: الحصين المحمي.

 

[54]. التجريبيون: جمع تجريبي، وهو من يقيم المعرفة على ما تدركه الحواس وحدها، وينكر وجود مبادئ فطرية في النفس وقوانين صادرة عن العقل، ويقابل تلك النظرة النظرة العقلانية.

 

[55]. الشعيرات: قنوات صغيرة جدا تماثل الشعرة في دقتها.

 

[56]. الجينات الوراثية: جزيئات مادية دقيقة توجد في صبغيات الخلية وإليها تعزى الصفات المميزة للكائن الحي، وبها تفسر قوانين مندل الوراثية.

 

[57]. الفرث: بقايا الطعام في البطن.

 

[58]. القناة الهضمية: قناة في جوف الجسم تتصل بها أعضاء الجهاز الهضمي، تبدأ بالفم وتنتهي بنهاية القولون النازل، وتضم البلعوم والمريء والمعدة والأمعاء.

 

[59]. الدورة الدموية: دوران الدم في الجسم من الأوردة إلى الشرايين ومن الشرايين إلى الأوردة.

 

[60]. الغدد الثديية: غدد تفرز اللبن الذي يرضع منه الطفل.

 

[61]. الكربون: عنصر لا فلزي، أساسي في تكوين الفحم بجميع أنواعه، يوجد على صور مختلفة؛ بعضها متبلور كالفحم، وبعضها غير متبلور كالماس، ويدخل في تركيب جميع الكائنات الحية.

 

[62]. النيتروجين: عنصر غازي، يشكل ما يقارب خمس الهواء بالكتلة، لا لون له ولا رائحة، يدخل في العديد من المعادن وفي البروتينات، ويستخدم بشكل واسع في كثير من الصناعات المهمة؛ منها الأمونيا، وحمض النتريت، والأسمدة.

 

[63]. الكبريت: مادة معدنية لا فلزية، صفراء اللون، هشة، لا تنحل في الماء، عديمة الطعم والرائحة، شديدة الاشتعال، ذات لهب أزرق، توجد حول البراكين، تدخل في صناعة البارود الأسود، ومبيدات الحشرات، وتركيب بعض المستحضرات الصيدلية؛ كالأدوية والمراهم، وفي صناعة الثقاب.

 

[64]. العقيدة الإسلامية في مواجهة التيارات الإلحادية، فرج الله عبد الباري، دار الآفاق العربية، القاهرة، ط1، 2004م ، ص97.

 

[65]. الانتخاب الطبيعي: نظرية داروين القائلة بأن بقاء الأنواع الحيوانية والنباتية لأفضلها تكيفا مع البيئة، ومنها نظرية تنازع البقاء.

 

[66]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ (1292)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولود على الفطرة (6928).

 

[67]. ركائز الإيمان، محمد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط1، 1422هـ/ 2001م، ص14، 15.

 

[68]. الإسلام والعقل، د. عبد الحليم محمود، دار المعارف، القاهرة، ط3، 1988م، ص86: 104.

 

[69]. السوفسطائيون: فرقة تنكر الحسيات والبدهيات وغيرها، وتعني بالجدل والتلاعب بالألفاظ بقصد الإقناع، وهي فرقة يونانية قديمة عارضها سقراط وكشف عن مغالطتها.

 

[70]. الرواقيون: جمع رواقي، وهو المنسوب إلى الرواقية، وهي صورة من صور مذهب وحدة الوجود، اشتهرت بآرائها الأخلاقية التي تخضع الخير الأسمى للعقل، وهم من أتباع زينون الفيلسوف اليوناني؛ لأنه كان يعلمهم في رواق، وهم يرون أن السعادة في الفضيلة، وأن الحكيم لا يبالي لذة أو ألما.

 

[71]. الميتافيزيقا: فرع من الفلسفة يبحث في الموجود الذي خرج من عالم الواقع إلى عالم المعقول.

 

[72]. العقليين: أنصار المذاهب الفلسفية التي تجعل للعقل الأولوية في تحصيل المعرفة، ومن هؤلاء: أفلاطون، ديكارت، ليبنتز، كانط، لكن الكلمة تطلق خاصة على فلاسفة القرن الثامن عشر الذين رفضوا إقامة المعرفة على الإيمان.

 

[73]. الاغتراب لغة: يعني ترك العشيرة والوطن، ومصدر الكلمة لاتيني، وهو يعني فقدان الجوهر أو السقوط في التبعية أو فقدان الذات المميزة، أو فقدان التواصل مع المجتمع.

 

[74]. العصاب: مرض يتميز باضطرابات انفعالية وعاطفية.

 

[75]. الدهان: اختلال شديد في القوى العقلية، يؤدي إلى اختلال جميع وسائل التكيف والتوافق العقلي والاجتماعي والمهني والديني، مع فقد القدرة على الاستبصار.

 

[76]. الليبرالية: مذهب يقوم على الاعتقاد في أهمية حرية الفرد ورفاهيته، وإمكانية التقدم الاجتماعي من خلال تغيير التنظيم الاجتماعي وتجديده.

 

[77]. الإيكولوجيا: علم البيئة، فرع من الأحياء يدرس العلاقات بين الكائنات الحية وبيئتها.

 

[78]. العطب: الفساد.

 

[79]. تحيق: تلحق.

 

[80]. نقد الثقافة الإلحادية، د. أحمد عبد الرحمن إبراهيم، دار هجر، القاهرة، ط1، 1406هـ/ 1985م ، ص37: 43.

 

[81]. الفسيولوجيا: علم وظائف الأعضاء في الحيوان والنبات.

 

[82]. نقد الثقافة الإلحادية، د. أحمد عبد الرحمن إبراهيم، دار هجر، القاهرة، ط1، 1406هـ/ 1985م ، ص21: 23.

 

[83]. البكتريولوجيا: علم الجراثيم، وله أهميته في الطب في مكافحة الأمراض الميكروبية.

 

[84]. عرفت الله، محمد إبراهيم، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط1، 1419هـ/ 1998م، ص9، 10.

 

[85]. الأيديولوجية: مجموعة الآراء والأفكار والمعتقدات والفلسفات التي يؤمن بها شعب أو أمة أو حزب أو جماعة.

 

[86]. سورين كين "بيتريم ألكسندرفيتش": عالم اجتماع أمريكي من أصل روسي، ولد سنة 1889م، كان أستاذا في جامعة ليننجراد، هاجر إلى الولايات المتحدة سنة 1923م، والتحق بجامعة منيوسوتا سنة 1924م، ثم في هارفارد سنة 1931م، وله مؤلفات كبيرة وعديدة، توفي سنة 1968م.

 

[87]. أناخ عليه: ثقل عليه وضغط.

 

[88]. الكلكل: الصدر، أو هو ما بين الترقوتين.

 

[89]. تحمل بين طياتها: تتضمن.

البطاقات الدعوية