الجمعة, مارس 31, 2017
| | جديد الموقع | |

جدلية ميراث المرأة في الإسلام

 

قضية التجاذبات في طرح مسألة مساواة المرأة للرجل في موضوع الإرث ليست جديدة على الساحة العربية والإسلامية منذ عقود مضت، فحقيقة أوضاع المرأة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها تؤثر بالسلب والإيجاب على أوضاع المجتمع بكامله، فهل نحمل قضية المرأة ومظلوميتها التاريخية إلى الشريعة؟ هل ننسج وهما مجتمعيا يختزل الميراث في جزء واحد (للذكر مثل حظ الأنثيين) ويضعه في قاعدة مطردة نافذة مع تهميش الحالات الأخرى؟ أم نقلص مساحات قضية كبرى اسمها (قضية المرأة) في زاوية الحقوق دون مراجعة الواجبات؟ هل من مستقبل يستشرف أبعاد توازن مصالح حقيقية تخدم المرأة؟ أم أننا بصدد الدفع بمسار التشريع الإسلامي إلى مفترق طرق، قد ينتهي الأول عند المطالبة الجادة بفتح باب الاجتهاد؟ وقد ينتهي الآخر عند خلق حالة من لا توازن  الاستقرار الهوياتي يفضي إلى  الانتقاص من  مبادئ الشريعة الإسلامية؟ هذه أسئلة وأخرى ستطرح نفسها في هذا الموضوع الهام، الذي أرقني كامرأة، ويؤرق العديد من النساء مثلي.

كثيرة هي الاتهامات التي وجهت  بالتحامل على وضعية المرأة في الإسلام من موقع التمييز في مسألة الميراث، لكن قليلة هي العزائم عند المتهمين، لشق طريق البحث وتحفيز قوة الإرادة والصبر على عناء الفهم، بالنزول إلى مختبرات الفقه الإسلامي، عبر تدقيق وتمحيص وقراءة متأنية في أصول وقواعد وأحكام قسمة المواريث، كما صنفها الشرع الإسلامي،  ليفاجئوا بأن هناك أكثر من ثلاثين حالة، تأخذ فيها المرأة ميراثًا مثل الرجل أو أكثر، أو ترث هي ولا يرث نظيرها من الرجال.

بحيث يتضح للباحث المنصف، المتأني في فهم مقاصد تراتبية قسمة الأنصبة الميراثية، بعيدا عن السجالات الانفعالية العاطفية، بأن هناك أربع حالات فقط ترث فيها المرأة نصف الرجل، وأضعاف هذه الحالات ترث مثل الرجل تماما، كما أن هناك عشر حالات أو تزيد ترث فيها المرأة أكثر من الرجل، وحالات ترث فيها المرأة ولا يرث نظيرها من الرجال، أي أن هناك أكثر من ثلاثين حالة تأخذ فيها المرأة مثل الرجل أو أكثر منه، أو ترث هي ولا يرث نظيرها من الرجال، في مقابل أربع حالات محددة ترث فيها المرأة نصف الرجل.

الإسلام أعطى المرأة حقوقها المسلوبة منها في الجاهلية، حينما كانت تابعًا للرجل في كل شيء، مسلوبة الحق والإرادة، كالمتاع تورث كما يورث وتنتقل إلى الورثة. وبالتالي فتفاوت الأنصبة في فلسفة الميراث الإسلامي، تحتكم لمجموعة قواعد ومعايير، ينبغي عدم إغفالها حين التطرق لمثل هذه القضية الحساسة،  والتي تحولت إلى جدال مجتمعي من حيث المطالبة بالعدالة والمساواة.

إن الدارس الغير المتعمق في درجات تقسيم الأنصبة الإرثية في الإسلام، يقف عند حالة واحدة ليبني عليها أحكاما قد تثير إشكالات اجتماعية، تتعدى الظرفية الآنية الموسمية إلى سجالات أخطر قد تؤدي إلى سوء الفهم المقاصدي للشريعة الإسلامية. وقد أوضحت في كتاب عنونته بالمرأة المسلمة بين تحديات التمكين ومستقبل التنمية، مواطن الخلل التي تقف حجرة عثرة في فهم نظام الإرث المقاصدي في الإسلام. فهناك مراتب عديدة في تصنيف نصيب الإرث بين الذكر والأنثى تبدأ بـ:

1- درجة القرابة بين الوارث ذكرا كان أو أنثى، وبين المورث المتوفى، فكلما اقتربت الصلة زاد النصيب في الميراث، وكلما ابتعدت الصلة قَل النصيب، دونما اعتبار لجنس الوارثين،  فابنة المتوفى ترث أكثر من أمه وكلتاهما أنثى، وترث البنت أكثر من الأب حتى لو كانت رضيعة، وحتى لو كان الأب هو مصدر الثروة التي للابن والتي تنفرد البنت بنصفها، وكذلك يرث الابن أكثر من الأب وكلاهما من الذكور.

2- العبء المالي والنفقة التي يوجبهما الشرع الإسلامي على الوارث  الذكر تجاه المرأة، وهذا المعيار هو الوحيد الذي يثمر تفاوتا بين الذكر والأنثى، من منطلق أن الرجال أكثر تحملا لأعباء النفقة المالية، لكنه مع ذلك لا يفضي إلى أي ظلم للأنثى أو انتقاص من إنصافها، بقدر ما يرفع سقف المسؤولية على الرجل، ورفعها عن المرأة.

إن البحث في مطلب قضية إرث المرأة، يتطلب منا العودة و بروية إلى فهم أصول علم المواريث الإسلامية، لنجد أن حالة التقسيم في النصيب بين الذكر والأنثى، ليست قارة في  حالة واحدة، بل تتفاوت نسب حصصها في عدة حالات، فحالة يأخذ الرجل ضعف المرأة، وحالات ترث المرأة فيه مساواة بالرجل، وحالات ترث المرأة ضعف الرجل، وحالات ترث المرأة ولا يرث الرجل، وهكذا وليسمح لي القارئ في توضيح بعض من الحالات المذكورة:

1ـ حالات يأخذ فيه الذكر ضعف الأنثى: هناك حالة يأخذ فيه الرجل ضعف المرأة، وهي كما هو واضح ومبين عندما يتوفى رجل ويترك أولادا ذكورا وإناثا، فنصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى، كما في قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)سورة النساء 11.

2ـ حالات ترث فيها المرأة مثل الرجل: وهناك حالات تتساوى فيه المرأة مع الرجل في الميراث، والعجيب في الأمر وهو ما يدل على إغفال من يتهمون الإسلام بظلمه للمرأة في الميراث، أن هذه الحالة التي تتساوى فيها المرأة بالرجل في الميراث في الآية نفسها التي يستشهدون بها، يقول تعالى: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ، فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ، وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ، وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ، فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ) سورة النساء 11.  

فهذه حالة من الحالات التي تتساوى فيها المرأة بالرجل، وهي إذا ما مات إنسان وترك أبا وأما، فالأب والأم هنا يتساويان تماما في التركة، وهما رجل وامرأة في درجة القرابة نفسها للميت. والحالة الثانية التي تتساوى فيها المرأة بالرجل في الميراث، إذا ما مات إنسان ولم يكن له أبناء، ولا أب أو أم، وترك أخا وأختا، أو إخوة وأخوات، فعندئذ يتساوى الإخوة والأخوات رجالا ونساء في الإرث، يقول الله تعالى: (وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ) سورة النساء 12.

3ـ حالات ترث فيه المرأة أكثر من الرجل: فمثلا لو ماتت امرأة وتركت: زوجا وأبوين وبنتين، يكون توزيع التركة كتالي: الزوج (وهو رجل) الربع، والأب السدس (وهو رجل) والأم السدس، وللبنتين الثلثان، أي أن نصيب كل بنت من البنتين أكثر من نصيب الأب وهو رجل، وأكبر من نصيب الجد وهو رجل. ولو كانت البنتان هنا بنتا واحدة، لأخذت النصف، ولأخذت بالطبع ضعف الأب وهو رجل، وأكثر من الجد وهو رجل.

4ـ حالات ترث المرأة ولا يرث الرجل: وهما متساويان في درجة القرابة للميت، وهي في حالات وجود جدة لأب مع جد لأم مع وجود وارثين آخرين، ترث الجدة لأب وهي امرأة، ولا يرث الجد لأم وهو رجل.

وبالتالي تضعنا هذه المراتب، أمام قراءة متأنية رزينة لمفهوم الإرث في الإسلام، وتعرفنا إن كنا نغفل مقتضيات أحكام تشريعاتنا.

إن الجدال المجتمعي المطروح اليوم في قضية الميراث، يتطلب منا أن نضع بين يدي القارئ مجموعة أمثلة، يطلع عليها باطمئنان نفسي، يحتكم لمبدأ ادفع بالتي هي أحسن، وبرهان يحتكم لمنطق المعرفة، وليس للغة الانفعال ورد الفعل المضاد، وبما أنني تساءلت يوما داخل  قرارات نفسي كامرأة، عن مطلب هذا الحق في المساواة، وطرحت علي أسئلة محرجة في منتديات دولية عن موقع المرأة  "المتدني" من الإرث في الإسلام، وجدت نفسي مدفوعة للبحث في الموضوع، فليس العيب في السؤال، وإنما العيب في عدم تقديم الجواب، ولما اطلعت على فقه المواريث، وجدت معايير وأحكام نغفلها في تفاوت أنصبة الإرث بين الذكر والأنثى، من بينها مجموعة من الأمثلة:

الأول: لو لم يكن للميت إلا أم وأخوة أو أجداد وأعمام أو أخوال فإنَّ الأم والتي هي امرأة تستأثر بتمام الميراث، ولا يستحق الأخوة والأجداد ولا غيرهم أي شيء من التركة. وهكذا لو كان للميت بنتٌ وأخوة أو أعمام وأجداد فإنَّ الميراث كله للبنت أو البنات.

الثاني: لو كان للميت أخت لأبوين وكان له أخوة لأب دون الأم فإنَّ الميراث كله للأخت من الأبوين دون الأخوة من الأب.

الثالث: لو كان للميت زوجٌ وبنت فإن للزوج الربع والباقي كله للبنت، ولو كان للميت زوج وأخت فإن لكل منهما نصف التركة.

الرابع: لو كان للميت أبوان مع بنتين، فإنَّ لكلٍ من الأبوين السدس وللبنتين الثلثين بالتساوي، وهذا معناه أن الأب يتساوى مع الأم في النصيب، ويأخذ أقل من كل واحدة من نصيب البنتين؛ لأنَّ لكل واحدة منهما الثلث، فنصيب كل بنت ضعف نصيب أبيها.

الخامس: لو كان للميت عمة وخال، ولم يكن له غيرهما فإنَّ للعمة الثلثين وللخال الثلث، وهذا معناه أن نصيب الأنثى في هذا المورد ضعف نصيب الرجل. وهكذا لو كانت للميت ابنة عمة وكان له ابن خال أو أبناء خال، ولم يكن له وارث غيرهما أو غيرهم فإنَّ لابنة العمة الثلثين وإن كانت واحدة ولابن الخال الثلث، وإن كانوا أبناء خال فإنهم يتقاسمون الثلث، فالأنثى في هذا الفرض يتفوق نصيبها على نصيب الذكر بكثير.

وبالتالي نخلص من هذا الإحصاء إلى أن النسبة المئوية للحالات التي تأخذ فيها الأنثى نصف نصيب الذكر تساوي 13.33% فقط، والباقي 86.67%، أما أن ترث مثلما يرث الذكر أو أكثر، فضلاً عن إرث الرجل في أغلب الأحوال يكون عاصباً منتظراً لما يفضل من أصحاب الفروض، والأنثى في أغلب أحوالها 90% تأخذ نصيبها فرضاً.

هذه حالات للتوضيح فقط، حاولنا فيها تقريب مسألة تفاوت أنصبة قسمة إرث الأنثى والذكر، وبالتالي فالأزمة ليست أزمة تمييز ضد المرأة في الإسلام، وإنما هي أزمة منهج في تفسير وفهم النصوص الأولى من جهة, وفي نزعة الانغلاق على شروحات التعامل الجزئي مع درجات تفاوت الأنصبة فيما يخص الحالات الأخرى, مع تغييب أهم مرتكز في جوانب مقاصد التشريع، وهو إسقاط إلزامية الرجل بالإنفاق؛ للحفاظ على استمرارية تكريم مكانة المرأة، وضمان حقها الدائم والمشروع في النفقة على المدى البعيد، رغم مساواتها في الأهلية المالية مع الرجل، سواء على مستوى حق التصرف بالبيع، والإقالة، والخيار، والسلم ،والصرف، والشفعة، والإجارة،والرهن، والقسمة، والإقرار، والكفالة والصلح. وغيرها من سائر العقود والالتزامات. حينئذ فهمت معنى قول أناييزنت في كتابها الأديان المنتشرة في الهند (إن قاعدة الإرث في الإسلام للمرأة، أكثر عدلا وأوسع حرية من ناحية الاستقلال الذي يمنحها إياها القانون المسيحي الانجليزي، وما نسبه الإسلام للمرأة يعتبر قانونا نموذجا إذ تكفل بحمايتها في كل ما تملك من أقاربها وأزواجها...) كما استوعبت قولة غوستاف لوبون حين استشهد بمبادئ المواريث التي نص عليها القرآن ووجدها بالغة العدل والإنصاف.. فقال: (ويظهر من مقابلتي بينها وبين الحقوق الفرنسية والانجليزية أن الشريعة الإسلامية التي منحت الزوجات اللائي يزعمن أن المسلمين لا يعاشروهن بالمعروف، حقوقا في المواريث لا تجد لها مثيلا).

وبالتالي فإن جوهر الإشكالية التي تعترض نساء العالم الإسلامي اليوم، يكمن في إغفال عنصر إسقاط إلزامية الرجل بالنفقة، وتضخيم دعوى المطالبة بالمساواة في الحقوق دون مراعاة الواجبات. ومن ثم نخلص إلى أن الالتزام الحقيقي بالتشريع الإسلامي، لا يقبل فرضية ازدواجية المعايير، و فرضية الاحتكام لمنطق الإيمان ببعضه وترك البعض الآخر منه، حيث نؤمن به في توزيع القسمة الوحيدة التي لا يتساوى فيها النصيب،ونكفر به، حين يتعلق الأمر بالأنصبة الأخرى التي تتعادل المرأة فيها وتفوق نصيب الرجل. نؤمن به في قضية المساواة في الحقوق، ولا نؤمن به في قضية الالتزام بواجبات النفقة في مجتمعات تئن من فرط نسب الأمية والفقر في صفوف النساء، فلا نستحضر قيمة البر بالوالدين أمام كبر الأم وعوزها وعجزها إن تدخلت الزوجة، ولا نرحم الأخت في محنها إن ترملت أو عنست دون تمكنها من تعليم أو تحصيل عمل، ولا نراعي حق  نفقة الأولاد إن طلقت الزوجة عقابا لها ولهم، فتضيع الأسر، وتنتهك الأعراض والحرمات بلا حماية.

أظن أن العدالة الحقيقية التي تبحث عنها المرأة اليوم، هي عدالة كلمة الاعتراف وتقدير لجهودها المبذولة في الحقول والبوادي والبيوت والمصانع، والإنجازات التي حققتها في الدوائر والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية والنضالية، أما إن كنا نبحث عن منطوق ديني يدعو للمساواة في قسمة واحدة من الإرث، مع التملص من الواجب الشرعي في  الإنفاق باسم الحقوق ساعتها يمكن القول: إن التفعيل الحقيقي لمضامين (الواجبات والحقوق)، مازالت في طور الخطابات الشكلية المظهرية، المحتكمة لمنطق المد والجزر السياسي ....!!.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: جريدة الرأي الإلكترونية

مقالات ذات صلة
  هل الإنسان يولد مسلما ؟ وهل جميع الأنبياء مسلمون ؟

428 منذ يوم
الباب:يعتقد فيه البابيون أنه أتم، وأكمل هيكل بشري ظهر

914 منذ يوم
  تساءل المشككون: ما فائدة المتشابه في القرآن؟! واس

921 منذ يوم
تساءل بعضهم: كيف يكون القرآن محفوظًا من الله لم يتغي

1399 منذ يوم
  زعم بعضهم أن القرآن الكريم قد تَحَدَّى الجاهليين بق

1384 منذ يوم
  توضح كثير من سور القرآن أن السموات والأرض قد خلقت فى

1088 منذ يوم